لا ينفع سوى الحل المصري

السبت 2015/02/07

لم ينتظر الشعب المصري وقوع الكارثة بكامل فصولها لكي يقول كلمته في حكم جماعة الإخوان المسلمين. سنة واحدة كانت كافية لتمهد لقطيعة تاريخية مع جماعة دينية، كان شعار مظلوميتها قد أعمى العيون عن رؤية حقيقتها الظلامية التي ظهرت على السطح ما إن تبوأت الحكم.

الشعب المصري الذي عُرف على مدى التاريخ بصبره، لم يصبر هذه المرة في انتظار الكارثة التي كانت متوقعة بطريقة لا تقبل الشك، فحزم أمره وانقلب على محمد مرسي، ابن الجماعة المطيع الذي انتخب رئيسا في سياق تحول ديمقراطي وليد، لم يحترم شروطه، فصار يتصرف مثل دمية يحركها المرشد.

لم يكن لدى الشعب المصري فائض من الوقت ليهدره في التسلية الفجائعية التي كان ينطوي عليها حكم المرشد تيمنا بالتجربة الإيرانية التي قادها الولي الفقيه إلى نظام استبداد، أهلك الإيرانيين وجعلهم عبيد عزلته العالمية، من غير أن يثري أرواحهم بمفردات خلاصه، التي هي ليست سوى نبش في ألواح الغيب. كان دور العسكر في مصر إنقاذيا. وهو واجب يتحتم على العسكر القيام به، من دونه لن تكون لوجودهم قيمة في حياة المجتمع المدني الذي تكفلوا بالدفاع عن مقومات وجوده، وهو قادر على العيش بأعلى ما يمتلك من تطلعات.

لقد درأ العسكر عن مصر خطر حرب أهلية، كانت جماعة الإخوان تخطط لها وهي التي لم تخف رغبتها في تأسيس دولة دينية، لن يكون الوطن الذي يعتز به المصريون أكثر من أي شعب آخر في العالم جزءا من مفرداتها. قال المصريون “لا للدولة الدينية”.

وهي الـ“لا” العظيمة التي أفقدت جماعة الإخوان المسلمين صوابها.

من وجهة نظر تلك الجماعة التي ترغب في حكم الناس بالسيف، فإن الرعية يومها قد خرجت على الإسلام الذي تعتبره وليد نظرياتها المتطرفة، وهو ما سيدفع بها لاحقا إلى الجنون الإرهابي. جنون كان يتوقعه المصريون بالتأكيد.

لم يخسر الإخوان يومها فرصتهم اليتيمة في الحكم، بل خسروا بسبب تطرفهم فرصة بقائهم طرفا في الحياة السياسية المصرية. لقد قدمت لهم الكثير من النصائح التي لم ينتفعوا بها.

كان مقدرا لهم أن يغادروا التاريخ الذي امتلأ بسموم نظرياتهم القائمة أصلا على الإرهاب. ألم يتخرج بن لادن والظواهري والزرقاوي والبغدادي من مدارسهم؟ ألم يبن حزب الدعوة الإسلامي كيانه على أساس أنه جزء من قاعدتهم؟ ما طالبان، لولا الينابيع النظرية التي حفرتها جماعة الإخوان التي صارت تنظيما عالميا لما وجدت تنظيمات مثل طالبان وبوكو حرام وجبهة النصرة.

لقد اهتدى المصريون إلى الحل قبل الجميع. وسيكون في إمكانهم أن يفخروا بإهداء ذلك الحل إلى الآخرين. وهو حل اهتدت إليه أوروبا قبل قرون، فقامت فيها حياة سوية ميزانها العدل والمساواة والإخاء.

إن لم نتعلم شيئا من الدرس المصري، فإن الفوضى ستلتهم بنارها شعوبا بأكملها. فالحكمة اليوم تقع في إمكانية بناء دولة معاصرة لا تتعارض ثقافة سكانها مع مسعى التقدم العالمي الذي يخدم رقي الإنسان وسلامته وقدرته العقلية على فهم ما يجري من حوله، والتعامل بإيجابية مع مستخرجات العلم الحديث.

جماعة الإخوان وسواها من الجماعات الدينية، ليس لها مكان في العصر الحديث. هذا ما تقوله هي حين تدعو صراحة إلى العودة إلى عصر الرسالة. وهو عصر تفصلنا عنه قرون هي أشبه بالساعات الفلكية.

لا نفع في أن يرى المسلمون إسلامهم وقد عادوا بحياتهم إلى الوراء. لن يكون إسلامهم سوى ماكنة صدئة، غير صالحة للاستعمال.

بين فكرة أن نعيش مسلمين في الحاضر وفكرة أن نكون المسلمين، مادة لتزييت ماكنة صدئة اختار المصريون أن يدوسوا جماعة الإخوان ليبدأوا حياتهم. هذا هو الحل المصري.


كاتب عراقي

9