لا ينقص الدمشقيين إلا أكل الحلوى

هاجرت الحلوى الشامية في بداية الأزمة السورية إلى الدول العربية والأوروبية مع لجوء صنّاعها الذين مكّنوا الشعوب الأخرى من تذوّق الحلوى التي اشتهرت في أصقاع الدنيا، ويحاول من تبقّى من “معلمي” البقلاوة والبرازق والمبرومة الفاخرة استعادة نشاطهم في دمشق، لكن السوق المحلي مازال يشهد ركودا بسبب ارتفاع الأسعار فاختاروا أصحاب المحلات أن يعولوا على التصدير لتحريك عجلة نشاطهم في انتظار أن يصبح السوريون قادرين على شراء الحلوى التي اشتاقوا إليها.
الجمعة 2017/11/03
الفستق لا يغيب عن حلويات الشام

دمشق – في ورشة لصناعة الحلويات الشامية في حي الميدان الدمشقي، يوضب العمال حلوى البرازق التقليدية داخل علب كرتون ويغلّفونها بشكل محكم، لتصبح جاهزة للبيع بعدما انتعشت حركة التصدير مجدداً إثر جمود طويل فرضته الحرب.

وتعدّ الحلويات الشامية العريقة فخر الصناعة السورية التي لطالما كانت أفضل هدية حملها السياح من دمشق، وكانت على قائمة أبرز الصناعات الغذائية المصدرة إلى الخارج ودول الخليج.

خلف مكتب صغير في الورشة التابع لسلسة محال “داوود إخوان”، يجلس مدير قسم التصدير رضوان داوود (44 عاما)، ويسجل بدقة آخر طلبات الحلويات المُراد إنجازها خلال الشهر المقبل.

ويقول، “نعمل منذ ستينات القرن الماضي ولم نتوقف إلا خلال فترة الحرب، تأثرنا كما تأثّر الجميع”.

ومحلات “داوود إخوان” عبارة عن محالّ حلوى شهيرة تمتلك تسعة فروع في سوريا. كما تعتمد على خمسة عشر وكيلا في ألمانيا وهولندا والسويد والدنمارك وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وكندا.

وينقل المحلّ إنتاجه عبر الطريق البحري من طرطوس واللاذقية (غرب)، والطريق الجوي عبر مطار بيروت، في ظل عدم إمكان الوصول إلى المعابر البرية على الحدود السورية، باستثناء طريق لبنان.

ويوضح رضوان “وصل تصديرنا في العام 2009 أربعين طنا شهريا، إلى كندا والولايات المتحدة الأميركية ومعظم الدول الأوروبية، وتوقّف التصدير تقريبا خلال سنوات الحرب، لكن حركة التصدير بدأت في العامين الماضيين واستعدنا حوالي 15 في المئة من نشاطنا”.

ولم تتوفر أرقام رسمية حول حركة الإنتاج والتصدير، برغم تأكيد العديد من التجار انتعاش المهنة.

زينة الحلوى تغري الشاري

وتشكّل إعادة تصدير الإنتاج متنفسا لأصحاب مصانع ومحلات الحلويات خصوصا بعد تراجع الطلب المحلي جراء الأزمات المعيشية والظروف الاقتصادية الصعبة وخطورة التنقل لمسافات بعيدة.

إلى جانب رضوان، يعد عشرون عاملا المئات من الأقراص الطازجة من حلوى البرازق الشامية الشهية المصنوعة من طحين مشوي مغطى بالسمسم والفستق الحلبي.

في الشارع العريق الذي يضيق بمحالّ الحلويات والأطعمة على أنواعها، تعبق روائح السمن العربي، المكوّن الأبرز في الحلويات الشامية ذائعة الصيت. ويتنافس أصحابها على دعوة المارّين لتذوّق منتجاتهم مجاناً في محاولة لدفعهم إلى الشراء.

وينهمك أبومعتز (45 عاما)، أو “المعلم” كما يناديه زملاؤه، في محلّ “أبوعرب حيدر”، احد أشهر المحلات الدمشقية وأكثرها قدماً، في قطع قالب كبير من البقلاوة الفاخرة. ويقول “ارتحنا كثيرا.. وحان وقت العمل”.

وتوقف عمل هذا المحلّ بشكل كامل منتصف العام 2012 بعد إقفال السوق لأسبوعين جراء هجوم شنته فصائل معارضة مسلحة على حي الميدان قبل طردها منه. وتلا ذلك في السنوات اللاحقة جمود كبير في السوق.

ويوضح الرجل العامل في مجال الحلويات منذ ثلاثين عاما “في تلك الفترة كانت ذروة الجمود وتوقّف التصدير بشكل نهائي بسبب انعدام طرق التصدير البرّي (…) كنّا نصدّر إلى كل دول الخليج العربي”.

ويضيف “كما توقّف السوق المحلّي بعد توجّه الناس للادخار وشراء الحاجيات الأساسية وليس الكماليات”.

ويتنقل أبومعتز بين المحلّ المخصّص للسوق المحلّي، وبين محلّ مجاور مخصّص للتصدير إلى الخارج، يلبّي بشكل رئيسي حاجات أربعة فروع للمحلّ افتتحها قبل نحو عامين في مدن ألمانية، وفرع خامس في عمّان في الأردن.

ويقول “توزع السوريون في كل مكان في الخارج لا سيما ألمانيا” التي شكلت وجهة رئيسية لعشرات الآلاف من المهاجرين السوريين الذين فرّوا من الحرب المستمرة في بلادهم.

ويدخل زبائن عراقيون إلى المحل ليشتروا أكثر من خمسين كيلوغراما من أنواع عدة، ما تبلغ كلفته على الأقل 300 دولار.

الحلويات أفضل الهدايا

ويحمل أبومعتز قطعة بقلاوة طازجة ويشرح بفخر “قطعة الحلوى هذه تتكوّن من مواد تأتي من كل المدن، الفستق من حماة (وسط)، والسمن من دير الزور والرقّة (شرق)، والطحين من حوران (جنوب). كلّها مكوّنات سوريّة مئة بالمئة”.

ويضيف “كلّما تأثرت منطقة ما بالأحداث السورية، تأثرت أيضا نكهة الحلويات، لأننا نبحث عن بديل للمكوّنات التي لا تكون عادة بالجودة ذاتها”.

أمام واجهة محلّ قريب، تسترق ليلى (40 عاما) النظر إلى أسعار مختلف أنواع الحلويات المعروضة، قبل أن يتقدّم أحد العمّال ويقدّم لها قطعة من الحلوى لتتذوقها، كما جرت العادة الدمشقية.

وتقبل ليلى الهدية، وتطلبُ من العامل أن يوضب لها ثلاث قطع فقط من “المبرومة” الفاخرة.

وتقول ليلى التي تعمل في روضة أطفال، “كيلو الحلوى الفاخرة اليوم بحوالي 15 ألف ليرة أي ما يعادل 29 دولارا أميركيا، ويوازي ذلك ربع مرتّب زوجي، بينما كان ثمنه في العام 2012 حوالي ألف ليرة”.

وتعمل ليلى التي استخدمت اسما مستعارا فقط مقابل تأمين سكن لها ولعائلتها، بعد أن دُمّر منزلها في الحرب.

وتراجع المستوى المعيشي للسوريين كثيرا خلال السنوات الأخيرة بسبب تدهور سعر صرف الليرة السورية نتيجة التردي الاقتصادي وخراب البنى التحتية.

وتقول ليلى “لم يخلُ منزلي سابقا من الحلويات العربية، لكن بسبب الأزمة الصعبة التي نمر بها، استغنيت عن الحلويات”.

وقبل أن تهم بالمغادرة، تقول بابتسامة عريضة “اشتريت ثلاث قطع لزوجي ولابني ولي”، مضيفة “لم يعد هناك ما يفرحنا إلا قطع الحلوى، كنت أعتقد أنّ الحرب جعلتنا كبارا، لكنّني أشعر أنني أشبه بطفلة صغيرة سعيدة بالحلوى”.

20