لا يوجد ليل في الإطار: فيلم مخيب للآمال للمغربية العراقية تلا حديد

الأحد 2014/10/26
الفيلم يعاني من الثرثرة في الصورة

شارك فيلم “إطار الليل” في الدورة الـ58 من مهرجان لندن السينمائي (8-19 أكتوبر)، ممثلا المغرب. مخرجة الفيلم -كما تقول المعلومات المنشورة- هي تلا حديد وهي مغربية-عراقية، وهذا هو فيلمها الأول الذي حصل على دعم مالي من مؤسسة الدوحة للأفلام، وهو من الإنتاج المشترك بين المغرب، بريطانيا وفرنسا وأميركا. وتطلق المخرجة على فيلمها بالإنكليزية كما يظهر في كتالوج مهرجان لندن “إطار منتصف الليل الضيق”The Narrow Frame of Midnight.

الفيلم عبارة عن مشاهد تتقاطع مع بعضها البعض تدور حول ثلاث شخصيات رئيسية: الكاتب الشاب زكريا (خالد عبد الله) وهو نصف مغربي ونصف عراقي (تماما مثل مخرجة الفيلم) يعيش في المغرب لكنّه يريد أن يصل إلى مصير شقيقه الذي كان معه في المغرب ثم التحق على ما يبدو بإحدى الجماعات المسلحة في العراق واختفى، وزكريا الآن يخوض رحلة للبحث عنه عن طريق استجواب من كانوا يعرفونه، ثم يذهب إلى إسطنبول ومنها إلى الحدود التركية مع العراق إلى كردستان، فبغداد لكنّه لا يعرف أكثر مما كان يعرفه قبل أن يبدأ تلك الرحلة العبثية التي لا يشاهد فيها شيئا مثيرا للاهتمام فالمخرجة تكتفي مثلا بتصويره في قارب بحري في خليج البوسفور، ثم مع مجموعة من الشباب العراقي داخل منزل (يشاهد فقط مجموعة من المنازل المهدمة).

الشخصية الثانية هي فتاة صغيرة تدعى عائشة، في السابعة من عمرها، اختطفها محتال قواد يدعى عباس (يقول إنه جاء من الجزائر)، يريد تهريبها إلى بلد أوروبي حيث تباع هناك لتشغيلها في سوق الدعارة، وهو بصحبة امرأة هي (نادية) قد تكون أيضا عاهرة يرغمها على ممارسة الدعارة، لكنها مرتبطة به رغم نفورها الواضح منه، لا نعرف ما إذا كانت تخشاه أم تحتاجه أم تحبه (في أحد المشاهد يتوقف عن ضربها لكي يقول لها إنه يحبها!).

الشخصية الثالثة هي لامرأة فرنسية (تدعى جوديث) تقيم في المغرب، فقدت أيضا ابنها في ظروف لا نعرفها، تعاني من الوحدة، وتقوم بزيارة أمها التي تبدو وقد فقدت النظر وأشرفت على الموت بعد تدهور حالتها الصحية.

تتعطل سيارة القواد عباس وهو بصحبة العاهرة نادية والطفلة عائشة في الليل، فيلتقي بزكريا الذي يبحث عن شقيقه فيطلب منه توصيلهم جميعا إلى الدار البيضاء، وفي الطريق يقضون جميعا الليلة في منزل مشبوه يبدو مثل بيت دعارة يعرف عباس أصحابه، وهناك تقصّ عائشة قصتها على زكريا وتخبره بأنها يتيمة الأبوين، وأن عباس ليس والدها، فيهرب بها زكريا ويتركها لدى المرأة الفرنسية التي تقيم في منزل في منطقة ساحرة وسط جبال الأطلس تبدو كالحلم، ويقول زكريا للفتاة إن هذه المرأة صديقته وإنها إنسانة طيبة وإنه سيعود لكي يأخذها.

الفرنسية جوديث تتذكر صحبة زكريا في لقطات عابرة لا مغزى لها ولا توحي بوجود أي علاقة خاصة بينهما فالمخرجة تتحاشى تقديم أي مشاهد تجمع بينهما على المستوى الحسّي حيث يختلط عليك الأمر.. لكن زكريا يظهر كثيرا في استعادة جوديث لذكريات الماضي الذي تتأسّى عليه.. وعائشة تقع مجددا في يدي القواد عباس الذي يضربها وينكّل بها، لكنها تتمكن من الإفلات منه لتستقل الحافلة في النهاية إلى البلدة التي جاءت منها، وجوديث تبدو وقد أغلقت الأبواب على نفسها. ويفشل زكريا في العثور على أيّ أثر يدل على وجود شقيقه!

المخرجة تلا حديد: فيلمها تأرجح بين الشكلانية المتأرجحة والمرور العابر على المواضيع


ضعف السيناريو

مشكلة هذا الفيلم الأولى تكمن في السيناريو المفكك الذي لا يشبع أي شخصية من شخصياته، كما لا يضع لتلك الشخصيات ملامح محددة تقرّبها من المشاهدين وتجعلنا نتعاطف معها، فأنت لا تعرف مثلا ما الذي أتى بالفرنسية إلى المغرب، وما هي أزمتها، وما حقيقة علاقتها بزكريا، هل كان حبيبها أم زوجها، وماذا حدث بينهما، وما سر تلك الغرفة في منزلها المليئة بألعاب الأطفال، هل هي غرفة ولدها الذي توفي أو اختطف؟ يبدو اهتمام تلا حديد التي كتبت السيناريو أيضا، متركزا فقط في محاولة العثور على رابط بين شخصيات الفيلم الرئيسية الثلاث، لكنه رابط سطحي خارجي لا يعمق شيئا في موضوع الفيلم ومغزاه الفكري، كما أن الكاتبة-المخرجة، تضفي على السيناريو مسحة مقصودة من الغموض لكنه ليس ذلك الغموض الشعري الجميل الذي يكمن في فيلم يصف حالة شعورية أكثر مما يروي أحداثا أو يتابع شخصيات في بحثها عن شيء ما، بل هو غموض مصطنع يشي بغياب رؤية واضحة لدى المخرجة لموضوعها، فكلّ ما نعرفه عن دوافع الشخصيات وتصرفاتها يأتي فقط استنتاجا دون أن يكون الاستنتاج بالضرورة صائبا!

إنها تريد أن تعكس حالة ضياع تمر بها جميع الشخصيات التي نشاهدها في الفيلم، حالة من اليأس، ومن المعاناة التي ربما تكون نتيجة لما أصبح سائدا من تعصب وعنف وتطرف في عالمنا لكنها لا تتقدم خطوة واحدة في اتجاه “الإشارة” بصريا ودراميا لهذا الجانب الذي دونه يصبح الفيلم فارغا من المعنى. زكريا مثلا الذي فقد شقيقه يصفه بأنه آخر ما تبقى له في الدنيا، والطفلة اليتيمة التي تقع فريسة الاستغلال لا تتذكر سوى أمها التي تقول إنها كانت جميلة لكننا لا نعرف لماذا انفصلت عنها وأين ذهبت الأم، والمرأة الفرنسية التي ربما تكون قد فقدت ولدها في ظروف ما أصبحت أسيرة الذكريات دون أن نعرف ما هي هذه الذكريات تحديدا وكيف كان الماضي، فهناك غياب تام لإشباع الحبكة دراميا أو بصريا.


اهتمام تشكيلي

لا شك أن هناك اهتماما تشكيليا واضحا من جانب المخرجة بالتكوين في الكثير من اللقطات، فهي تنجح بمساعدة مدير التصوير الروسي ألكسندر بيروف الذي ينجح في التعامل بحساسية خاصة مع الكثير من الأماكن التي يدور فيها التصوير خاصة مشاهد الأطلس، ويضفي على اللقطات المأخوذة من منزل جوديث ضبابية خاصة حالمة، لكن من قال إن اللقطة يمكن أن تنفصل عن سياق المشهد أو عن سياق الفيلم ككل، فاللقطات التشكيلية تبدو هنا مقصودة في حد ذاتها، وبدلا من أن تخدم الموضوع، تساهم في تأكيد الطابع المصطنع الزائف للفيلم بل وتجعل المشاهد يتوقف ليتأمل في التكوين بمعزل عن السياق الدرامي. وتلا حديد مغرمة ولا تنجح المونتيرة الفرنسية جويل هاش (مونتيرة الفيلم البديع “زوج حلاقة الشعر”- 1990) في بناء علاقة حقيقية بين الشخصيات والمواقف المختلفة في الفيلم، ولا شك أن هذا يرجع أساسا إلى ضعف السيناريو وإلى ولع المخرجة في الانتقالات المفاجئة السريعة التي لا تخضع لمنطق واضح في السرد فالفيلم يتأرجح بين عمل مكون من مشاهد جافة شبه مسرحية، وبين مزيج من التداعيات التي لا يبدو أن هناك رابطا بينها يردها إلى أصولها الدرامية، والمشكلة أن نقلات المونتاج العصبي الحاد تعمل على إجهاض فكرة المشهد قبل أن تتضح أمامنا، فهناك انتقال يقع بين الشخصيات والأماكن كيفما اتفق، وليس طبقا لمنطق داخلي يخضع لنسق ما من أنساق السرد السينمائي الذي يكثف حالة شعورية تضيف وتصب في المجرى العام للفيلم.

الفيلم يتمتّع بجنوح تشكيلي


أرض الموت

يعاني الفيلم أيضا من الثرثرة في الصورة، فنحن مثلا نعرف أن الطفلة هربت، ولكن عباس يعثر عليها دون أن نعرف كيف، ثم تنتهز فرصة غيابه داخل المقهى لتهرب مجددا لكنها تتجه دون سبب مقنع إلى سيارته حيث تجلس نادية في انتظارهما، فتقبض عليها نادية وتريد استعادتها وتسليمها إلى عباس ربما خشية من عنفه، لكنها تتوقف فجأة عن الإمساك بعائشة وتتركها تهرب دون أن نفهم السبب. والكاتب الشاب “زكريا” يلتقي في الدار البيضاء بشاب كان صديقا لشقيقه على ما يبدو (ليس هناك شيء يمكن الاتفاق عليه في الفيلم!) يهدده ويعنفه ويكاد يفتك به لكي يخبره بمكان شقيقه أو بأي معلومات عنه، لكنه يتركه فجأة دون أن يحصل منه على جواب شاف، ثم يقوم بزيارته في المنزل الذي يقيم فيه في مشهد آخر من الفيلم، حيث نعرف أنه أيضا من الجزائر (كما لو أن الجزائر لا يأتي منها سوى الأشرار: القواد ثم الإرهابي السابق). ولكن هذا الرجل ينصح زكريا بالتوجه إلى تركيا، لعله يعثر على شقيقه. وفي إسطنبول يخبره بعض العراقيون أن الأفضل أن يبحث في كردستان.. ومنها إلى بغداد، وفي منزل رجل عراقي متقدم في العمر، يلقي الرجل عليه خطبة حماسية عن الماضي الذي كان، ماضي العراق العظيم، وكيف قاومت بغداد التتار الذين حرقوا الكتب وألقوا بمحتويات مكتبة بغداد في نهر دجلة إلى أن أصبح لون مياه النهر بلون الحبر الأسود، وكيف أن العراق سيستعيد أمجاده القديمة، ثم يقول له إن العراق الآن هو “أرض الموت” حيث “لا يوجد هنا سوى الموت والجشع″، في تناقض واضح مع حديثه الخطابي السابق!

وكما يعاني الفيلم من ضعف الإخراج بشكل عام، يعاني أيضا من رداءة التمثيل بسبب ضعف الشخصيات كما جاءت في السيناريو المفكك، فخالد عبدالله مثلا -الممثل المصري المعروف بتمكنه من الأداء- يعاني في دور “زكريا” الذي يؤديه باللهجة المغربية، ويبدو تائها وسط باقي شخصيات الفيلم، ويكتفي أحيانا بالتحديق في الفراغ أو في الآخرين بشكل حاد دون سبب واضح. فيلم “إطار الليل” ليس فيه شيء من الليل، ولا من إطاره، الذي يوحي بأنك ستكون أمام عمل شاعري عن الغربة وقسوة الحياة، غير أنه يتأرجح بين النزعة الشكلانية المفتعلة، وبين المرور العابر على موضوع غير محدد سرعان ما يتراجع إلى الخلفية ويختفي، ليسفر الفيلم عن جهد كبير في التصوير يذهب للأسف هباء منثورا.

16