لا يُصلح الشعر مدينة خربها سياسيون لصوص

الأربعاء 2016/10/12

ليس للمثقفين في العراق، حتى الشعراء والفنانون منهم، هامش للدعوة إلى إصلاح الخراب الذي يعم مدنهم. أعني مدينة بغداد تحديدا. ما يقومون به لا يعدو أن يكون نية حسنة لتجميل أثر قبيح. لكن القبح والفوضى باتا واقعا راسخا في هذه المدينة العتيدة وعلى نحو لا يمكن الفكاك منه.

الحديث عما يمكن التفكير فيه لغرض تغيير مرجو، أشبه ما يكون بالتورط في تحقيق حلم بعيد المنال. تبدو الفكرة باعثة على اليأس، لكنه هذا هو حال العراقيين جميعا: يائسون وقانطون.

منذ أسبوع، انطلقت في بعض مداخل مدينة بغداد، في جانبيها الرصافة والكرخ، فعالية حملت عنوان “الجدران ليست لثارات العشائر”، بادر إليها “بيت الشعر العراقي”، و”منظمة مجتمع مدني”.

تمثلت باستثمار فن الغرافيتي لتجسيد مقاطع خمسة شعراء عراقيين، نفذ على جدران الحواجز الكونكريتية العالية، التي تشخص مشكلة جدران عازلة بين مناطق بغداد، وكذلك، منتشرة بكثافة، في شوارعها التجارية كما في الأسواق والأزقة الفرعية.

علل القائمون على النشاط مبادرتهم هذه بأنها “بمنزلة نداء موجّه إلى أهل المدينة بين الكرخ والرصافة، ورسالة إلى المُتاجرين بهذا الموضوع، مفادها أنّ الفعل الثقافيّ حاضر بين الناس بشجاعة تتجاوز ملامح الاحتجاجيّ التقليديّ، مواجها الانحدار الاجتماعي الذي يريد هؤلاء ترسيخه في المكان”.

الفكرة قائمة، بأثر نفوذ المد العشائري في بغداد، والذي تظهر تجلياته في تلك التهديدات التي باتت ظاهرة مألوفة لدى العراقيين، أغلقت بسببها محلات تجارية، رياض أطفال، نهب ممتلكات خاصة، الاستيلاء على منازل مواطنين، مدارس، مرافق عامة، وبعد الكتابة على أحد جدرانها وبخط رديء “مطلوب عشائريا” أو “مطلوب دم”.

صورة فاضحة عن غياب الأمن واستشراء الفوضى، وكاشفة في الوقت ذاته عن طبيعة الابتزاز والتهديد الذي يمارس ضد المواطنين والمجتمع المدني في بغداد من دون تدخل لجهات قانونية أو أمنية.

ظاهرة التعاطي مع جدران بغداد الإسمنتية العازلة، والتي غالبا ما تشخص بارتفاع ثلاثة أمتار، بوصفها حاملا لنشاط فني أو ثقافي بدأت منذ العام 2007، حينما كلفت شركة عراقية خاصة بإعادة الأعمار بالاشتراك مع أمانة بغداد، مجموعة من طلبة الفنون والبعض من الهواة، وبمقابل 20 دولارا يوميا، لرسم موضوعات تحاكي بعض رموز التاريخ الحضاري والطبيعة العراقيين، بدواع ذكرت أنها ذوقية وجمالية وللتقليل من أثر المشهدية الكابية والحزينة التي باتت عليها بغداد بشوارعها ومناطقها، بأسباب أحاطتها بتلك الجدران الخراسانية العازلة بلونها الرمادي الكالح.

تشير مثل هذه الفعاليات، في جانب منها، إلى حجم الالتباس الذي وقع فيه الشاعر وقبله طالب الفن في تعيين دوافعه وموقفه من واقع مثقل بهذا القدر من الظلامية والانغلاق والقبح، والقبول بممارسة فعل خلاق بوسيلة وظيفتها العزل الاجتماعي وتقييد الحرية الفردية والجمعية، وإعاقة التواصل والاندماج مع الآخر، وإحالة المكان الإنساني المشرع على فضاء مفتوح إلى معزل وغيتو، وتكريس ما هو انفصالي وتمييزي.

كما يدل هذا الفعل أيضا في صورته المباشرة على تلك الممارسات التي تجتهد خلالها المؤسسة السياسية العراقية، بحكوماتها وبرلماناتها المتعاقبة منذ العام 2006، من أجل كيفية ترويض وضبط الإنسان العراقي والتذكير بإذلاله الدائم وتحقير وجوده اليومي وتغييب حريته، في سبيل الإبقاء على جدران عازلة قطعت أوصال مدينته وغيّبت هويتها، وأخفت وجودها وحولت حياته إلى شقاء يومي لا مفر منه.

كانت تعلّة وجود وإنشاء تلك الجدران، هي التقليل من الخرق الأمني المتمثل بالتفجيرات عبر سيارات مخففة أو انتحاريين، لكن ذلك لم يمنع من سقوط الضحايا بالعشرات بسبب انفجارات وتدهور أمني لافت ومتكرر بشكل شبه يومي منذ أكثر من عقد.

الحواجز الإسمنتية في بغداد، لا تدل إلا على خيار أمني مقصود من قبل مؤسسة سياسية، لا تعنيها سوى حماية وجودها بالقوة عبر الابتزاز والفساد واللصوصية حتى لو كان ثمن ذلك خراب المدينة وتغييب الإنسان فيها.

كان على “بيت الشعر العراقي” أن يستدرك أن بعض مقاطع من الشعر على جدران بغداد الإسمنتية لا تقي المدينة التي أضيفت إلى خرابها هيمنة السلوك العشائري، ذلك الذي بدأه سلوك سياسيين تافهين ولصوص.. وللحديث بقية.

كاتب من العراق

6