لبنانيون في شواطئ المتوسط: تقليد فينيقي أم ضرورة ملحة

يعشق اللبنانيون الشاطئ في الصيف، فأجدادهم الفينيقيون سافروا في عباب البحر منذ القدم وزرعوا فيهم حب البحر والاصطياف على رماله، لكن الإهمال وغياب السلطة يحولان دون الاستمتاع بإجازة الصيف على السواحل اللبنانية بسبب التلوث القاتل والأسعار الجنونية، ليجدوا الحلول في الاستمتاع بشواطئ قبرص وتركيا ومصر.
السبت 2016/09/24
البحر نظيف بعيدا عن لبنان

بيروت- للعام الثاني على التوالي، اختار حمزة الصيص وأصدقاؤه السفر إلى قبرص والاستجمام على شواطئها، بدلا من التوجه إلى المنتجعات السياحية في لبنان، متندرا كيف أن كلفة رحلة إلى الخارج أقل من قضاء إجازة في بلده. ويقول حمزة (23 عاما)، صاحب محل في مدينة صيدا في جنوب لبنان “سافرت لخمسة أيام إلى قبرص حيث أقمت في فندق فخم واستمتعت بجمال الشاطىء القبرصي”، مضيفا “دفعت مقابل تذكرة السفر والحجز الفندقي وكل المصاريف من مواصلات ومأكل ومشرب وارتياد ملاه ليلية وممارسة نشاطات رياضية على أنواعها ألف دولار”.

وبات العديد من اللبنانيين كما حمزة يفضلون السفر إلى الدول القريبة والمعروفة بشواطئها خلال موسم الصيف، بدلا من البقاء في لبنان وقضاء عطلة في المنتجعات السياحية الخاصة بسبب الكلفة المرتفعة. وبعملية حسابية لكلفة قضاء يوم كامل في أحد المنتجعات في لبنان مقارنة مع جزيرة قبرص المجاورة، يقول حمزة “يبدأ الدفع عند الوصول إلى الموقف لركن السيارة، مرورا بتعرفة الدخول التي لا تقل عن ثلاثين دولارا. وإذا أردت احتساء العصير والمياه وتناول وجبة عادية لا تقل الكلفة عن أربعين دولارا”.

الاتجاه نحو دول الجوار

ويضيف “إذا رغبت في استكمال نهاري بسهرة لا تقل تعرفة الدخول إلى ملهى ليلي معروف عن ستين دولارا”. ويستثني حمزة من حساباته اللبنانية كلفة حجز غرفة في فندق أو منتجع نظرا للأسعار “الجنونية”. أما في قبرص “فارتياد البحر مجاني وكلفة الطعام حتى داخل المنتجعات في المتناول وكذلك أسعار المشروبات، وبإمكاني السهر مقابل عشرين دولارا فقط”. ويضيف “يبقى السفر إلى قبرص أقل كلفة من قضاء إجازة في لبنان”.

السباحة مع عبوات المياه

تمكنت لارا عون (34 سنة)، موظفة، من قضاء خمسة أيام في قبرص مقابل 500 دولار فقط، قائلة “حجزت تذكرة السفر والفندق في فبراير مقابل 280 دولارا، وهذا المبلغ بالكاد يكفي لحجز ليلة واحدة في منتجع أو في منطقة جبلية”. وتضيف بسخرية “المفارقة أن البحر هو نفسه في لبنان أو قبرص، لكن في قبرص الشاطئ نظيف ومجاني وهنا نسبح مع عبوات المياه والمشروبات الغازية في الشواطئ العامة القليلة، وفي المنتجعات الخاصة علينا دفع تعرفة دخول مرتفعة”.

واعتاد سكان لبنان على رؤية النفايات والعبوات في البحر، حتى أن مياه الصرف الصحي غالبا ما تصب فيه. وقد ازداد الوضع سوءا الصيف الماضي حين شهد لبنان أزمة لأشهر عدة تراكمت خلالها النفايات في شوارع بيروت وضواحيها وعلى الشواطئ. وتجددت الأزمة قبل شهر في ضاحية بيروت الشمالية. ويضاف إلى ذلك وجود المصانع وخزانات الوقود على طول الساحل اللبناني، ما يهدد مباشرة البيئة البحرية.

ويتنوع التلوث في الشواطئ اللبنانية بين التلوث الكيميائي الذي يظهر في مرافئ المدن اللبنانية الكبرى كصور وصيدا وبيروت وطرابلس وقرب المصانع الكيميائية، وبين التلوّث العضوي البكتريولوجي الذي يسجل معدلات مرتفعة وهو ناجم عن الصرف الصحي. وينجم التلوّث الكيميائي، وفق المجلس اللبناني للبحوث العلمية، عن نشاط المعامل الصناعية ومكبّات النفايات وخزانات الفيول على طول الشاطئ اللبناني، إذ لا تمتلك المصانع والمعامل آلية لتدوير النفايات.

ويرتبط التلوّث الكيميائي بوجود المعادن الثقيلة مثل (الزئبق والرصاص والكادميوم) والمواد الهيدروكاربوناتية. وتتراكم تلك المواد السامة في التربة لتنتقل وتتركّز في الأحياء البحرية النباتية والحيوانية، باعتبار أنها لا تتفكك ولا يتم هضمها. وينتج التلوث العضوي عن المياه الآسنة والصرف الصحي، حيث تصبُّ نسبة ثمانين في المئة من المياه الآسنة والصرف الصحي في البحر، إذ أن عدد محطات تكرير المياه الآسنة ضئيل أو أنها معطلة منذ سنوات طويلة. وتبيّن الدراسات العلمية وجود البعض من أنواع البكتيريا، ومنها “البكتيريا القولونية”، و“العقدية البرازية” التي تسبّب حساسية وطفرات جلدية، واحمرارا والتهابا للعيون، وقيئا في حالة بلع المياه الملوثة.

وجهات سياحية

البحر واحد والفرق كبير

يزداد عاما بعد آخر إقبال اللبنانيين على السفر إلى الدول القريبة ذات الواجهات البحرية، ما دفع بأصحاب وكالات السفر الكبرى إلى استئجار طائرات (تشارتر) في محاولة لتخفيف الكلفة واستقطاب المزيد من المسافرين. يقول حسن ضاهر (51 سنة)، مالك وكالة “فايف ستارز” للسفر في بيروت، “مناطق الساحل التركي، مرمريس وبودروم وأنطاليا وألانيا تشكل وجهة السفر الأولى من لبنان، تليها قبرص وشرم الشيخ في مصر”.

ويوضح “بدءا من 425 دولارا يمكن قضاء عطلة لمدة خمسة أيام في فندق متوسط في مرمريس التركية، مع كافة مصاريف المأكل والشرب”. وتعتبر تركيا المقصد السياحي الأول عند اللبنانيين، منذ سمحت السلطات التركية للبنانيين بدخول أراضيها دون الحاجة إلى تأشيرة دخول، وبتحفيز من مكاتب السفر، التي صارت تقدم عروضا تتضمن حجزا في الفنادق والمنتجعات وأماكن السهر بأسعار معقولة، بالإضافة إلى تنوع المدن التركية بين بحرية تشجع على السهر وحفلات الشاطئ ومدن أخرى تسهل التسوق وزيارة المناطق الأثرية أو الاستجمام.

وفي الموسم الممتد من يونيو حتى سبتمبر، تقلع أسبوعيا وفق ضاهر عشر طائرات على الأقل كمعدل من لبنان إلى الدول ذات الوجهة البحرية، وتتسع كل واحدة لـ150 إلى 190 راكبا. ولا تتوقف حركة الطائرات اللبنانية المتوجهة إلى قبرص خلال الصيف، خصوصا إلى منطقة آيانابا، التي تعتبر الأكثر جذبا لمحبي السهر على الشواطئ. وتحظى هذه المنطقة بسمعة جيدة من ناحية الإستقبال والخدمات السياحية والحفلات، وهي تستقطب الشباب ومتوسطي العمر، كما المراهقين وطلاب الجامعات، أما العائلات فتتوجه في العادة إلى مناطق قبرصية أخرى مثل ليماسول، ومنطقة بافوس على الشواطئ الغربية.

واستفادت شرم الشيخ من تأثيرات الأحداث التركية الأخيرة، إذ جذبت إليها من كانوا يسافرون إلى مرمريس وبودروم التركيتين. وتعتبر شرم الشيخ مثالية من أجل الاستجمام، نظرا لتميزها بالمحميات والحياة البحرية، التي تعتبر من الأجمل عالميا. ولا تتضمن الرحلات اللبنانية الى شرم الشيخ برامج سياحية تقليدية مقررة مسبقا، إذ يمكن للسائح اختيار برنامجه اليومي في المنتجع الذي يساعده على التنقل بين الجزر القريبة والمناطق البحرية، كما تتميز المنطقة بتدني أسعار منتجعاتها السياحية والمأكولات والتنقل.

رحلة استجمام بتكاليف قليلة

ولا يفسر الإقبال على السفر إلى الخارج بكلفة المنتجعات الخاصة فحسب، بل بغياب شبه كامل للشواطئ العامة أو المسابح الشعبية النظيفة والمجهزة، رغم أن الشاطىء اللبناني يمتد على طول 220 كيلومترا. ويقول المدير التنفيذي لجمعية “نحن”، المناصرة للمساحات العامة في لبنان، محمد أيوب (34 عاما) “الشاطىء العام بالمعنى المتعارف عليه في العالم غير موجود في لبنان”.

ورغم أن الشواطئ الشعبية على طول الساحل اللبناني تكاد تكون معدودة، إلا أن المنتجعات السياحية قضت عليها واحتلتها لأن التعدّي بات شرعيا، ونراها تستغلها على حساب المواطن الذي يعاني من غلاء المعيشة. هذه المنتجعات السياحية المنتشرة على طول الشواطئ مخالفة للقانون اللبناني، الذي يمنح حق الدخول المجاني والحرّ إلى الشواطئ لجميع المواطنين.

ويمنع في معظم دول العالم الاستثمار على البحر، لكن لبنان يعد وفق أيوب من “الدول النادرة التي تسمح بالأشغال على الأملاك العامة البحرية”. ومع فشل الحكومات المتعاقبة في تطبيق القوانين المتعلقة بتنظيم الأملاك العامة البحرية، تمادى أصحاب المنتجعات السياحية في استباحة الشواطئ اللبنانية. وتقدر التعديات على الأملاك العامة البحرية والتي حصل الجزء الأكبر منها إبان الحرب الأهلية (1975-1990) وفق تقرير قدمته وزارة الأشغال إلى الحكومة العام 2012 بنحو 1200 تعد، على مساحة تبلغ نحو خمسة ملايين متر مربع، معظمها غير مرخص.

ويقول أيوب “كل أجهزة الدولة والسياسيين متعدون.. والمعالجة تكون بإلغاء القانون الذي يسمح بالاستثمار على البحر”. ورغم أن الشواطئ العامة القليلة غير مجهزة، إلا أنها تشهد هذا العام إقبالا متزايدا خاصة في منطقتي صور والناقورة جنوبا، وفي بلدة انفة شمالا. وتضم أنفة ستة مطاعم على الأقل على البحر، يمكن لروادها السباحة مجانا على أن يدفعوا ثمن الطعام.

وتتزين هذه المطاعم باللونين الأزرق والأبيض، ما دفع روادها إلى تسميتها “انفوريني” تيمنا بجزيرة سانتوريني اليونانية، وفق ما يقول أحد الموظفين زياد النمر (21 عاما). وتقول روز متى (30 سنة) وهي موظفة من بيروت تزور أنفة مع عائلتها “جئنا للتعرف على أنفة ولنهرب من التلوث والأسعار المرتفعة”. وتضيف “عندما نذهب إلى منتجع ما، ندفع ثمانين دولارا ثمن الدخول وثمانين دولارا للطعام، بينما هنا نأكل ونشرب ونستمتع بالبحر مقابل ثمانين دولارا فقط”.

20