لبنانيون ولبنانيات يحتجون بالمكنسة في ساحات الاعتصامات

صغار وكبار يتطوعون لتنظيف وجمع النفايات حتى تظل الساحات والشوارع نظيفة لاستقبال المتظاهرين المصرين على مواصلة الاحتجاجات حتى إسقاط الحكومة.
الثلاثاء 2019/10/22
للمظاهرات وجهها الحضاري

تلازم المظاهرات في لبنان حالة من الوعي على اعتبار أن المتظاهرين يريدون تحقيق مستوى حياة أفضل بطاقم سياسي يمكن أن ينهض بلبنان المتعب، من مظاهر وعي اللبنانيين تنظيف مواقع الاحتجاجات كل صباح حتى تظل الساحات والشوارع نظيفة وحتى يتمكن المتظاهرون من مواصلة المطالبة برحيل الفاسدين، ويشارك في حملات التنظيف الكبار والصغار دون استثناء وفي كل المدن اللبنانية.

 بيروت - تشارك لين أبي خليل في الحراك الشعبي غير المسبوق الذي يجتاح لبنان، ولكن على طريقتها الخاصة، فبعدما منعتها عائلتها من التظاهر خوفا عليها، قررت التطوع كل صباح في إزالة النفايات من وسط بيروت وتنظيف الساحات للمحتجين.

تقول لين (17 عاما)، طالبة الطب في العام الأول، “لا يرغب أهلي بمشاركتي ويقولون إن هناك عنفا أحيانا، لكنني أشارك بطريقة أخرى”.

وتضيف “شجعت صديقتي على النزول معي، نريد أن نريهم أننا نريد التغيير”، موضحة “ننظف من أجل الناس الذين يأتون للتظاهر بعد الظهر، كي يأتوا ويتحمسوا على التظاهر”.

ودخل التحرك غير المسبوق في لبنان على خلفية مطالب معيشية في بلد صغير يعاني من المديونية والفساد والمحاصصة والوراثة السياسية، الإثنين يومه الخامس. وشهد الأحد أكبر التظاهرات بنزول مئات الآلاف إلى الشوارع في مختلف المناطق اللبنانية.

تحولت ساحات التظاهر ليلا إلى ساحات رقص وغناء،  حيث بدا الشباب وكأنهم في نزهة وضعوا الخيام والنراجيل

وتطوع شبان وشابات في جمع المخلفات وما تراكم من نفايات لإبقاء الشوارع وساحات الاعتصام نظيفة في المدن اللبنانية. فمن وسط بيروت إلى ساحة النور في مدينة طرابلس إلى بعلبك وعكا وغيرها، التقطت هواتف الشباب الصور وهم ينظفون ساحات الاعتصامات والشوارع المؤدية لها، تمهيدا لجولة جديدة من التظاهر التي يصر اللبنانيون على أنها لن تتوقف إلا بإسقاط الحكومة.

ولين هي واحدة من مئات النساء والرجال والأطفال الذين ينزلون في ساعات الصباح الأولى منذ بدء التظاهر إلى وسط بيروت لإزالة النفايات التي تركها المتظاهرون خلفهم.

وأمام مسجد محمد الأمين، وضع متطوعون مستوعبات بلاستيكية لفرز النفايات، كتب على إحداها “نفايات عضوية” وأخرى “كرتون وورق”، فيما خصصت أكياس كبيرة لجمع عبوات المياه البلاستيكية التي انتشرت في كل ناحية وصوب في الشوارع.

وشهد لبنان أزمة نفايات في العام 2015، حين تكدست القمامة في شوارع بيروت وضواحيها، ما أسفر عن خروج تظاهرات كبيرة منددة بعجز الطبقة السياسية عن إيجاد حل مستدام.

وفي وسط بيروت، تحوّلت ساحات التظاهر ليلا إلى ساحات رقص وغناء. واكتظت ساحة الشهداء بمتظاهرين بدا وكأنهم في نزهة، افترشوا الأرض ووضعوا الخيام والنراجيل ومنهم من أتى بموقد للشوي.

ومنذ صباح السبت، يحضر بيتر مرقدي صباح كل يوم إلى وسط بيروت للتطوع في رفع النفايات.

صغار ونشارك
صغار ونشارك

ويقول الشاب الذي ارتدى قميصا رمادي اللون “دخلت إلى المطبخ في منزلي، فتحت الخزانة لأرى ما فيها، أخذت الأكياس البلاستيكية والقفازات ونزلت إلى الشارع”.

ومنذ بدء التظاهرات، بدأت أعداد المتطوعين في التنظيف ترتفع يوميا. ويوضح بيتر “حين نزلنا إلى الشارع أول مرة، كنا خمسة أشخاص فقط، ثم 50 ثم 500، والآن بات هناك الآلاف في كل المناطق”. وأنشأ هؤلاء مجموعات خاصة على تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي للتخطيط. يتجمع المتطوعون كل يوم عند الساعة الثامنة مساء، يجلبون أغراضهم ويحضرون ما يلزمهم للانطلاق في العمل صباح اليوم التالي.

ويقول بيتر “نحن ندعم الشعب اللبناني الذي يتظاهر، كثيرون يشعرون بالغضب والألم.. نحن نحترم صوت الشعب وواجبنا هو التنظيف”.

واتخذت التحرّكات منحى تصاعديا منذ الخميس مع ازدياد أعداد المتظاهرين تباعا، في تحرك شلّ البلد وأغلق مؤسساته كافة. ويحمل المتظاهرون على الطبقة السياسية سوء إدارتها لشؤون البلاد وفسادها وعجزها عن إيجاد حلول لمشكلات متفاقمة منذ عقود.

وكانت الحكومة في الأسابيع الأخيرة تدرس فرض سلسلة ضرائب جديدة تطال بمجملها جيوب الفقراء ومحدودي الدخل. وشكّل سعيها لفرض رسم مالي على الاتصالات المجانية عبر تطبيقات الهاتف الخلوي الشرارة التي أطلقت هذه التحركات الغاضبة.

وأمام الأسلاك الشائكة، يضع شاب كمامة على وجهه ويكنس الأرض بمقشة خشبية طويلة. ويصور سهيل حمدان (49 عاما) مشهد التنظيف أمامه بهاتفه الخلوي، لينشره على وسائل التواصل الاجتماعي لاحقا.

ويقول “مصير الفاسدين في بلدنا هو أكياس القمامة ومن بعدها السجن”، مضيفا “لا أستطيع أن أخرج من الشارع إلا إذا وُضع النواب والوزراء الفاسدون في السجن”.

ويعمل عدد من الشباب للحفاظ على تسهيل حركة المرور على سائر الطرقات لتسهيل حركة الناشطين الراغبين بالتوجه إلى ساحتي الشهداء ورياض الصلح في بيروت للمشاركة في الحركة الاحتجاجية هناك.

ولا يقتصر الأمر على الشبان الذين لم تنقطع هتافاتهم الثورية ومن بينها “جن جنون الدركية لما طلبنا الحرية”، بل شارك الأطفال أيضا في أعمال التنظيف.

مصير الفاسدين كيس القمامة
مصير الفاسدين كيس القمامة

وترفع طفلة شعرها، تضع كمامة على وجهها، ترتدي قفازاتها، تجمع آخر النفايات وتضعها في كيس حمله والدها قربها. واختار سامي الديب (34 عاما) ألا يذهب إلى عمله في توزيع المواد الغذائية، إذ أن ما يحصل في الشارع اليوم أهم من أجل مستقبله، يقول “نحن في الشارع منذ أربعة أيام، نناضل من أجل حقوقنا”.

ومنذ اليوم الأول، يشارك سامي في التظاهرات التي تحولت مساء الأحد إلى ساحات رقص وغناء. وتوزعت شاحنات محملة بمكبرات الصوت في وسط بيروت ليلا. ومن كل شاحنة، تصدح أغنية مختلفة عاطفية كانت أو وطنية، ومن حولها يرقص المتظاهرون حاملين الأعلام اللبنانية أو واضعين أقنعة على وجوههم.

ويقول سامي “ننظف في الصباح ونحتفل في المساء”. ويرى هؤلاء المتطوعون أن المدن اللبنانية لا بد أن تليق بسكانها وبمطالبهم، فالمظاهرات يمكن أن تخلف فوضى لكن هناك من يعيد ترتيبها وتنظيفها وجمع نفاياتها يوميا، فللمظاهرات وجهها الحضاري كما يجمع هؤلاء المتطوعون.

20