لبنانيون يتكاتفون لمواجهة الضيف الثقيل

مبادرات إنسانية واجتماعية لافتة للبنانيّين تتجلى في روح التعاون بين جميع الطبقات الاجتماعية من خلال التفاف لسد النقص ومساعدة العائلات المتضررة من تداعيات الفايروس.
الثلاثاء 2020/03/31
كل يوم ويومه

لا أحد يقف بجانب اللبناني الفقير في الحجر الإجباري الذي فرضته ظروف الفايروس المستجد القاهرة غير اللبنانيين، وخاصة أن السلطة عاجزة عن ذلك وليس لها إلا أن تفرض إخلاء الشوارع، وهو ما حرم العمال المياومين من رزقهم، فهم لا يأكلون يوم لا يعملون، لذلك كانت المبادرات خير سند لهؤلاء في أزمتهم.

بيروت- يعمد اللبنانيون إلى التضامن في ما بينهم، لمجابهة وباء كورونا، ومنعه من اختراق مناعة البلاد الضعيفة، لاسيما وأن هذا الضيف الذي حلّ بثقله على الناس ناشرا القلق، وفارضا تغييرا في عاداتهم وطرق عيشهم، وضع الحكومة أمام تحدي النجاح في تطويقه في ظل هشاشة القطاع الطبي، لكنه في كل الأحوال أحدث يقظة في القيم الإنسانية.

قال الطبيب إسماعيل سكرية رئيس الهيئة الوطنية الصحية عن تداعيات كورونا على المستوى الاقتصادي، إنها “سوف تكون كبيرة جدا باعتبار أنها أتت في ظرف يعاني فيه لبنان من شبه انهيار اقتصادي، حيث لا يوجد فرص عمل، وصرف العديد من الموظفين من عملهم، قبل أزمة كورونا، وأقفلت مؤسسات عديدة أبوابها على وقع الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان”.

وشدّدت الحكومة اللبنانية نطاق القيود المفروضة منذ الأسبوع الماضي على المواطنين، إذ فرضت حظر تجوال ليلي لمدّة 10 ساعات، وكلّفت القوى العسكرية والأمنية بتنفيذ هذا القرار، كما أغلقت جميع المرافق البحرية والبرية والجوية حتى 12 أبريل المقبل.

وقال سكرية، “الآن تأتي مقررات التعبئة العامة التي تلزم الناس البقاء في منازلهم لتوقف الحركة الاقتصادية ولكن تداعياتها ستطال الفقراء المياومين الذين يعملون لتأمين قوت يومهم، كسائقي التاكسي أو بائعي الخضار على العربات، حيث يتم منع هؤلاء من العمل”.

وقال، “وعدت الدولة بتوزيع مئة ألف حصة غذائية للبلديات لتقوم هذه الأخيرة بتوزيعها على الفقراء، هذا الإجراء لا يمكن للدولة أن تستمر فيه إذا استمرت الأزمة لأشهر”.

اليد في اليد

مد يد العون لمن يحتاجون المساعدة
مد يد العون لمن يحتاجون المساعدة

 يرى أستاذ مادة الأنثروبولوجيا في الجامعة اللبنانية محب شانه ساز، أن أزمة  كورونا تحتاج لدولة رعاية لاحتوائها، وهي غير متوفرة في لبنان، حيث الدولة تمارس دور الشرطي، وتمنع الناس من الخروج من منازلهم، دون أن توفر لهم حاجاتهم الأساسية ولاسيما للفقراء من بينهم، الأمر الذي سوف يؤدي إلى انفجار وبائي”.

مبادرات إنسانية واجتماعية لافتة للبنانيّين، كشفوا فيها عن روح الأخوّة والتكاتف في ما بينهم، في ظلّ تضرّر جميع الطبقات الاجتماعيّة من تداعيات الفايروس وتوقف غالبيّة العمّال عن أعمالهم.

وكانت الفئة الأكثر تضرّرا المياومين أي الذين يعملون بأجر يومي، بسبب اضطرارهم لتطبيق الحجر المنزلي الذي أقرته الحكومة في أعقاب تفشي كورونا.

بعض العمال المياومين يحاولون الخروج للسعي وراء لقمة العيش، لكن القوى الأمنية تتصدى لهؤلاء كما حصل منذ أيام عندما سطرت محضر ضبط بحق سائق تاكسي أثناء عمله، وقام هذا الأخير بإحراق سيارته احتجاجاً على منعه من العمل.

أصحاب الهمم

تتجلى روح التعاون بوضوح بين جميع الطبقات الاجتماعية من خلال التفاف أصحاب الهمم والأيادي البيضاء، لسد النقص ومساعدة العائلات المتضررة بعد توقف الأعمال، وعدم استطاعة بعضها أن تتدبر قوت يومها.

في هذا السياق، يقول الناشط الاجتماعي، كفاح الفاضل، “أطلقنا أنا ومجموعة من المتطوعين حملة شعبية لمحاربة كورونا، تهدف إلى مجابهة الوباء من الناحية الصحية والاجتماعية”.

ويتابع الفاضل قائلا، “يشارك في هذه الحملة 200 متطوع، يقدّم كل واحد منهم بحسب طاقته وموقعه المتواجد فيه رؤية علمية ومنهجية لمكافحة الوباء”.

كشف اللبنانيون عن روح الأخوّة والتكاتف في ما بينهم في ظلّ تضرّر جميع الطبقات الاجتماعيّة من تداعيات الفايروس وتوقف غالبيّة العمّال عن أعمالهم

ويشرح الفاضل، “ارتأينا أن يكون هناك دور ومساهمة لمساعدة كل أبناء الشمال اللبناني بما فيه مدينة طرابلس، الضنية، عكار وباقي البلدات، من خلال مد يد العون لمن يحتاجون المساعدة من المرضى أو المواطنين الملتزمين بالحجر الصحي”.

ويضيف، “أغلب من تطوع في حملتنا هو ابن هذه المناطق وهو على دراية بالعائلات الأكثر حاجة ولاسيما العائلات التي لم يعد لديها أي دخل بعد توقف عملها كأصحاب سيارات الأجرة أو الباعة”.

ويردف، “كل العالم على دراية بأن الشمال اللبناني مهمش ويرزح تحت خط الفقر”. وتابع الفاضل، “نعمل في هذه الحملة لتأمين ما يلزم من أكل وشرب، ونقوم بتوصيل طلبات للمرضى من أدوية و خبز”.

وعن مبادرات التوعية التي تقوم بها الحملة، قال، “أنشأنا صفحة على موقع فيسبوك ونقوم بنشر معلومات وفيديوهات لتوعية الناس من خطورة الفايروس بالإضافة إلى جرعة من الإيجابيّة والدعم المعنوي”.

ويختم قائلا، “المسؤولية الانسانية تلزمنا بأن نكون في طليعة المبادرين لمواجهة هذا الوباء، فلا مكان لأي خلاف أو مناكفة سياسية أو تفريق  مذهبي في هذا الظرف العصيب”.

لفايروس كورونا وجه إنساني عنوانه حرص اللبناني على شقيقه من خلال مبادرات لا تميّز بين عائلة معوزة وأخرى
لفايروس كورونا وجه إنساني عنوانه حرص اللبناني على شقيقه من خلال مبادرات لا تميّز بين عائلة معوزة وأخرى

وقال محب شانه ساز، “لقد أحدثت كورونا يقظة في القيم الإنسانية على قاعدة أن الفرد هو المهم، وهذا أمر مستجد في بلادنا”، مضيفا، “كلما طالت هذه الأزمة كلما تعززت هذه القيم”.

وأطلقت جمعية “أجيالنا”، مبادرة إنسانية تساعد من خلالها العائلات المتضررة من فرض حظر التجوال، والتي قدر عدد أفرادها بحوالي 9850 شخصًا، من خلال جمع التبرعات على منصات التواصل الاجتماعي.

وتحدّثت مسؤولة المساعدات، زينة سيف عن المبادرة قائلة، “فايروس كورونا انعكس بشكل سلبي على العائلات اللبنانية التي بالكاد تستطيع تأمين قوتها، لذا أطلقنا منذ أيام معدودة حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات ومساعدتها”.

وتروي سيف، “الهدف هو أن نؤمن لهذه العائلات الطعام، وقرّرنا أن نتميز بهذه المبادرة لكي نغطي متطلبات العائلات الأكثر تضررًا”. وتابعت، “طلبنا من المؤثرين والفنانين المشاركة في هذه الحملة لجمع أكبر كمية ممكنة المساعدات”.

ظهور الفايروس تزامن مع شبه انهيار اقتصادي، حيث لا توجد فرص عمل وصُرِف العديد من الموظفين من عملهم وأقفلت مؤسسات كثيرة أبوابها

وتشرح سيف عن طريقة توصيل المساعدات قائلة، “للتأكد من وصول التبرعات إلى من يستحقها، خصصنا فريقا لهذه المهمة من 19 سيدة متطوعة، يعملن كحلقة وصل بين المتبرع والمستفيد”.

وتقول، “نشعر مع تعاون الناس ومساندتهم لبعضهم، أن لفايروس كورونا وجه آخر عنوانه حرص اللبناني على شقيقه، لاسيما وأنّ هذه المبادرة لا تميّز بين عائلة وأخرى، والأهم أنّها تغطي المناطق الأكثر عوزا في بيروت”.

والتزمت معظم المدن والقرى اللبنانية، بشكل شبه كامل بحظر التجوال إلا للضرورة، تنفيذا لخطة الطوارئ الصحية التي أقرتها الحكومة، لمكافحة فايروس كورونا والحد من انتشاره.

وحتى صباح الاثنين، تجاوز عدد مصابي كورونا حول العالم 723 ألفا، توفي منهم أكثر من 33 ألفا، في حين تعافى من المرض ما يزيد على 151 ألفا.

وفرضت أزمة كورونا نسبة عالية من التضامن العالمي باعتبار أنه يضع البشر أمام مصير مشترك، ويأمل اللبنانيون أن تتمكن الحكومة من تطويقه بفعل التضامن الاجتماعي بالرغم من الوضع الاقتصادي المأزوم.

20