لبنانيون يهربون من ظلمة الحجر إلى بياض الثلج

المتنزهون ملتزمون بتدابير الوقاية من وباء كورونا.
الأربعاء 2021/01/27
اليوم لعب وغدا أمر

انتشار وباء كورونا وفرض حجر شامل في ظل ظروف اقتصادية صعبة أصابا اللبنانيين بالقلق والتوتر والخوف على المصير، ما جعلهم يبحثون عن فرصة تنسيهم حالتهم النفسية المزرية، فكان موسم الثلج ملاذا لهم؛ لذلك خرجوا عائلات وأصدقاء بحثا عن فسحة من الفرح.

شبعا (لبنان) ـ  ضاق اللبنانيون ذرعا بإجراءات الحجر الصحي الذي فرضه انتشار وباء كورونا وباتوا محجوزين في بيوتهم يساورهم القلق على مصيرهم. هذا القلق أجبر بعضهم على الهروب إلى الجبال المغطاة بالثلوج كما فعل الشاب الثلاثيني شادي مراد، الذي استقل مع خطيبته سعاد سيارته رباعية الدفع قاصدا المرتفعات الغربية لجبل الشيخ بشرق جنوب لبنان من أجل التمتع بالغطاء الأبيض الذي طال انتظاره هذا العام في لبنان.

لم يكن شادي الوحيد الذي خالف قواعد الإغلاق العام المفروض في لبنان للحد من انتشار الوباء، فالعشرات من العائلات كانت قد خرجت إلى المرتفعات التي لا يقل ارتفاعها عن ألف متر فوق مستوى سطح البحر لتمضية أوقات ممتعة بين الثلوج.

شادي الذي بدا متحصنا من الصقيع بثياب صوفية، أشار لوكالة أنباء “شينخوا” إلى أنه خرق قرار الإقفال وخرج للتمتع بالثلوج بعدما أمضى حوالي أسبوعين بين جدران الحجر المنزلي.

وأضاف أن “اللهو في الثلج فرصة ثمينة ورياضة بدنية ممتعة تحرك الجسم وتقوي الدورة الدموية وترفع المناعة في دفاعها ضد وباء كورونا”.

من جهتها قالت خطيبته سعاد، التي كانت منهمكة في التقاط صور سيلفي بين الثلوج المتراكمة، “لقد انتظرنا طويلا هذا الزائر الأبيض الذي يغادرنا بسرعة بسبب تقلبات أحوال الطقس”.

وأوضحت “لقد حرصنا في رحلة التمتع بالثلوج على الالتزام بتدابير الوقاية من كورونا من خلال ارتداء الكمامات والتباعد لمسافات طويلة مع العشرات من المتنزهين الذين التقيناهم في هذه المرتفعات”.

يذكر أن الكثير من العائلات التي تقطن مختلف مناطق جنوب لبنان قصدت جبل الشيخ الذي يرتفع 2814 مترا فوق سطح البحر، حيث تجاوز ارتفاع الثلوج 40 سنتمترا.

عائلات توزعت على البساط الأبيض تجمعهم نرجيلة وكأس شاي، وأطفال يتراشقون بكرات الثلج والبعض يصنع التماثيل

وكانت جرافات تابعة لوزارة الأشغال ولبلدية شبعا، كما أوضح رئيس البلدية محمد صعب، قد عملت على جرف الثلوج وفتح الطرقات التي تربط جبل الشيخ بالقرى المحيطة، مما سهل وصول المتنزهين إلى السفوح الغربية لهذا الجبل المقدس حيث كان السيد المسيح قد تجلى في أعلى قممه.

والكثير من الأسر توزعت على البساط الأبيض؛ فالأطفال يتراشقون بالكرات والبعض راح يصنع تماثيل الثلج في أشكال مختلفة، في حين كان لفنجان الشاي والنرجيلة نوع من الحضور لدى الكثير من الشبان والشابات.

يشار إلى أن الثلوج تساقطت للمرة الأولى هذا العام في المناطق الجبلية اللبنانية التي لا يقل ارتفاعها عن 900 متر فوق عن سطح البحر بعد فترة جفاف استمرت حوالي شهر، وسط خوف المزارعين على محاصيلهم التي تكاد تتلف بسبب تأخر الري.

والعديد من المواطنين اللبنانيين عبروا عن أملهم في أن يكون تساقط الثلوج بشرى خير تساهم في ري حقولهم وتفجر الينابيع وترفع مخزون المياه الجوفية.

وقال المواطن الثلاثيني سلام عامر، من مدينة النبطية، إن “الحجر وحظر التجوال والخوف من كورونا، لم تمنعنا من التوجه إلى هذا الجبل للتمتع بمناظر الثلوج التي غطت المرتفعات”.

من جهتها، انشغلت الطالبة الجامعية حنان أبوعليان (22 عاما) بصنع تمثال كبير من الثلج بمساعدة أربع من رفيقاتها، حرصن على تنسيقه وتزيينه بشال أحمر وقبعة صوفية سوداء مع عصا بين يديه حتى بات أشبه بتحفة فنية.

وقالت حنان خلال التقاطها صورا لأطفال التفوا حول تمثالها “لقد ترددنا كثيرا قبل أن نخرج إلى هذا الجبل في ظل الإغلاق العام للحد من انتشار كورونا”.

وأضافت “لقد شعرت حقا بصراع داخلي بين التمرد على قرارات الإغلاق والتمتع بالثلوج، ترددت مليا قبل اتخاذ قرار الخروج، لأن الثلوج باتت فرصة نادرة بسبب التغيرات والتقلبات الحادة في الأحوال الجوية”.

وبكل حسرة وألم قالت “الأرض المغطاة بالثلوج أشبه بعروس ترتدي ثوبها الأبيض، ليعيدنا هذا المشهد إلى أيام الفرح التي حرمنا منها كورونا”.

وغير بعيد عن حنان وقف المزارع حامد الأسعد (60 عاما) يراقب منظر الثلوج ناصعة البياض، وقال “تساقط الثلوج يمنحنا أمل أن تكون المواسم الزراعية واعدة”.

وتابع “الثلج يؤمّن أيضا الحماية من الحشرات التي تفتك بأشجار التفاح واللوزيات، وبتنا نضمن موسما جيدا يعطي مردودا مقبولا نحن بحاجة ماسة إليه في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي نمر بها”.

من جهته أكد قاسم نبعة (54 عاما) أن “كمية الثلوج الكبيرة هذا العام ستنعكس إيجابا على أشجار اللوزيات، خاصة الكرز والتفاح في الصيف القادم”.

وأضاف نبعة “البرودة تلائم هذه الأشجار وتعمل على قتل الحشرات مما سينعش حتما المواسم الصيفية التي يعتمد المزارع على ما تنتجه في الريف اللبناني”.

وبدت الحرب حامية في أسفل الجبل بين فريقين من الأطفال الذين يتقاذفوا كرات الثلج التي تكون عادة بحجم أيديهم، في جو من البهجة لا تتوفر لهم إلا في مثل هذه الهضاب.

وعلى الرغم من البرد القارس داخل الخيمة كان همّ الطفل السوري حسن زريق (9 سنوات)، النازح من إدلب إلى بلدة شبعا، جمع كمية من الثلوج لصنع تمثال رجل الثلج الذي كان يشاهده في كتب الدراسة.

الرحلة إلى مواقع الثلوج، حسب الناشط الإجتماعي نضال عيسى، فيها الكثير من الترفيه والمتعة والتسلية لكافة أفراد العائلة، حيث “نجد في الرداء الأبيض الراحة النفسية، كما يساهم في تخفيف القلق، إضافة إلى تأثيراته الإيجابية على الصحة بشكل عام، فالحركة في ظل حرارة متدنية (دون الصفر) تجعلك أكثر إبداعاً من أي وقت آخر”.

وعلى الرغم مما تخلفه الثلوج من برد ومعاناة للاجئين السوريين، قال جمال شحروري النازح من بيت جن إلى حاصبيا إن “الثلج زائر جميل بالرغم من أن بعض الناس لا يملكون وقودا للتدفئة، خاصة النازحين السوريين، الذين يعانون من أزمة خانقة على مستوى نقص وقود التدفئة والغاز المنزلي وتقنين الكهرباء لساعات طويلة”.

20