لبناني يسبح بأطفال التوحد إلى شاطئ السعادة

مدرب سباحة وغطس لبناني يقرر تخصيص جزء من وقته أسبوعيا لتعليم أطفال يعانون من مرض التوحد أصول السباحة بالمجان.
الأربعاء 2018/07/11
تجربة إنسانية جديدة ورائعة

 بيروت - قرر كمال بودياب (38 عاما)، وهو مدرب سباحة وغطس لبناني، تخصيص جزء من وقته أسبوعيا لتعليم أطفال يعانون من مرض التوحد أصول السباحة بالمجان، كنوع من العلاج والدعم النفسي لهم.

كلمة “أُحِبك”.. قالها له طفل يعاني من متلازمة داون حين اتصل به أهله قبل عامين طالبين منه أن يعلّمه السباحة.

لم يكن المدرب على علم مسبق بما يعانيه الطفل، وحين وصل إلى منزل الأسرة تفاجأ بحالته، ووجد صعوبة في تقبّل فكرة تعليمه السباحة. لم يكن ذلك بسبب مرض الطفل، بل لعدم خبرة بودياب في التعامل مع هذه الشريحة في رياضة “صعبة جدا وفيها الكثير من المسؤولية”.

وبينما مشاعر التردد والقلق والحيرة تهيمن على بودياب، التفت إليه الطفل مبتسما، وقال له “أُحِبك”. تلك الكلمة السحرية دفعته إلى خوض هذه التجربة التعليمية غبر المسبوقة بالنسبة له.

رفض الحصول على مال مقابل حصص التعليم، وقرر “خوض تجربة إنسانية جديدة ورائعة”، حسب وصفه، ولجأ إلى “كتب ودراسات وأطباء لمعرفة كيفية التعاطي مع تلك الحالات”.

نجحت التجربة الأولى، وحينها تعهد بودياب بتخصيص ساعات أسبوعيا، وتعليم أكبر عدد من هؤلاء الأطفال بالمجان، لكن بشرط وحيد. شرط بودياب هو الحصول على موافقة من الطبيب المشرف على كل حالة، لتجنيب الطفل أي خطر على صحته وسلامته.

وعلى حد قوله، الثقة والإنسانية اللتان استمدهما من هؤلاء الأطفال “لا يمكن وصفهما”. ولا يحدد بودياب عددا معينا من الأطفال يستقبلهم، بل يبذل قصارى جهده لاستقطاب جميع الحالات المرضية من عمر السنتين وحتى 15 سنة.

ووفق دراسات طبية عالمية اطلع عليها وآراء أطباء أطفال يتعلمون عنده، فإن “السباحة هي الرياضة الأنسب لهذه الفئة، فهي تعطيهم الكثير من الدعم النفسي وتشعرهم بالسعادة والاطمئنان”.

ويصر المدرب اللبناني على انخراط هؤلاء الأطفال مع أقرانهم الطبيعيين.

وهو بذلك يهدف إلى منحهم “الشعور بالثقة والاعتزاز بالنفس والاندماج”، ويشكل “ظاهرة صحية في تقبل الآخر”. وبالمقابل يمنح هؤلاء الأطفال مدربهم، كما يقول، “سعادة لا توصف، فضلا عن المزيد من الثقة والإنسانية”.

المدرب اللبناني يصر على انخراط الأطفال مع أقرانهم الطبيعيين وهو بذلك يهدف إلى منحهم الشعور بالثقة والاندماج

ومع كل حالة تصله يواجه المدرب صعوبات، أبرزها خوف الطفل من المياه ومن الشخص الجديد (المدرب).

ولدى بودياب وصفة لكسر هذا الحاجز “علينا أن نشعرهم بالثقة، فنتحدث إليهم بهدوء، ثم نمازحهم ونضحك معهم، قبل إنزالهم إلى المياه، وهذا يتطلب بعض الوقت والجهد”.

الطفلة سارة شمس الدين (15 سنة) مصابة بمرض التوحّد المتقدم، لكن لديها الكثير من الذكاء الذي يخولها للتفاعل مع النشاط الرياضي والفكري. تقول والدتها إن سارة عانت عند ولادتها من نقص في الأوكسيجين، ما أصابها بالتوحد من نوع “الانحلال الطفولي”، الذي يسبب عدوانية ونوبات غضب للطفل، ومرت بصعوبات في العلاج حتى تحسنت.

وتضيف أن سارة موهوبة، ولديها مهارات في الأشغال اليدوية، ولكن تعليم السباحة كان بمثابة علاج نفسي سحري لها، خفف عنها ضغوطا نفسية كثيرة، ودوما تعود من حصة السباحة وهي هادئة تماما. وتشير الأم إلى أن ابنتها ستشارك العام المقبل في بطولة سباحة لذوي الحالات الخاصة بمصر.

أما علي ناصر (خمس سنوات) فهو طفل آخر مصاب بـ”التوحد الكلاسيكي”، طبيب علي نصح والدته لينا بأن يمارس رياضة السباحة “كون لغة الماء تتلاءم كثيرا مع لغة أجساد هؤلاء الأطفال، وتعطيهم الشعور بالطمأنينة”.

وتقول الأم إن ابنها تقدم كثيرا في السباحة، وتحسنت حالته النفسية، وأصبح أقل عدوانية، وأكثر اجتماعية. وتعرب الأم عن شكرها للمدرب بودياب، الذي “يعطي الكثير من وقته دون مقابل، بهدف رسالة إنسانية سامية”.

ومرض التوحد يعرف على أنه اضطراب يُلاحظ على الطفل في سنّ مبكّرة، حيث يؤثر على تطوّره وجوانب نموّه المختلفة، فيكون تطوره غير طبيعيّ، وينتج عن ذلك خلل في تفاعله الاجتماعي، ويتميز بتكرار أنماط سلوكية معيّنة، وبضعف تواصله اللفظي وغير اللفظي مع الآخرين.

وتتعدد الأسباب الكامنة وراء هذا المرض، وأهمها: عوامل متعلقة بالولادة، وعوامل دماغية أو جنينية، وبيولوجية، وأخرى مناعية.

ومن جانبها أكدت منظمة الصحة العالمية أن التقديرات تشير إلى معاناة طفل واحد من كل 160 طفلا في العالم من اضطراب طيف التوحد. وكشفت أنه وفقا للدراسات الوبائية التي أجريت على مدى الخمسين سنة الأخيرة، يبدو أن معدل انتشار اضطرابات طيف التوحد يزداد على المستوى العالمي، وقد تحد اضطرابات طيف التوحد بشكل ملحوظ من قدرة الفرد على الاضطلاع بالأنشطة اليومية والمشاركة في المجتمع. وغالبا ما تؤثر هذه الاضطرابات تأثيرا سلبيا في إنجازات الفرد التعليمية والاجتماعية وفي فرص العمل.

وأشارت المنظمة العالمية إلى أن اضطرابات طيف التوحد تلقي بأعباء معنوية واقتصادية ثقيلة على كاهل المصابين وأسرهم. وتنطوي رعاية الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد الوخيم على متطلبات كثيرة، وخصوصا عندما تكون فرص إتاحة الخدمات والدعم غير كافية.

21