لبنان أمام لحظة فارقة مع اقتراب النطق بالحكم في اغتيال الحريري

مصير غامض ينتظر سياسة "ربط النزاع" بين المستقبل وحزب الله.
الثلاثاء 2020/08/04
الحقيقة لا تموت

لم يعد يفصل لبنان عن النطق بالحكم في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري سوى أيام معدودة، وسط تساؤلات عن تأثيرات هذا القرار على الوضع الداخلي المتأزم بطبعه.

بيروت – يترقب اللبنانيون قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الجمعة، بعد سنوات طويلة من الانتظار المكلف.

ويأتي النطق بالحكم في وقت يمر فيه لبنان بظرفية حساسة جراء انهيار الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، وسط قلق من تأثيرات قرار المحكمة على الوضع الأمني الداخلي، خاصة وأن حزب الله سبق وتوعد في نوفمبر الماضي بقطع “كل يد” تمتد إلى عناصره المتهمة في القضية.

وشكّل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005 محطة فارقة في لبنان حيث اضطرت سوريا المتهمة بالتورط في اغتياله إلى الانسحاب من هذا البلد بعد أشهر قليلة، فيما فتح الاغتيال أعين المجتمع الدولي على التهديد الذي يمثله حزب الله.

ويقول متابعون إن قرار المحكمة بالتأكيد ستكون له ارتدادات سياسية في لبنان لاسيما على العلاقة بين تيار المستقبل وحزب الله التي شهدت على مدى السنوات الماضية عملية “ربط نزاع”، لا تزال مستمرة حتى اليوم رغم خروج الحريري الابن (سعد) من السلطة.

وحرص الحريري الابن في السنوات الأخيرة على الفصل بين قضية اغتيال والده والتعاطي مع الشأن السياسي في لبنان، وكان من نتاجات ذلك أن أبرم اتفاقا في العام 2016 مع التيار الوطني الحر بمباركة حزب الله يقوم على توليه رئاسة الحكومة مقابل وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية.

كريم بيطار: اغتيال رفيق الحريري شكّل زلزالا حقيقيا في لبنان
كريم بيطار: اغتيال رفيق الحريري شكّل زلزالا حقيقيا في لبنان

ولم يصمد هذا الاتفاق، جراء الاحتجاجات التي ضجت بها ساحات لبنان في أكتوبر الماضي تطالب برحيل كل الطبقة السياسية عن الحكم في ظل اتهامات لها بالتسبب في تدهور الوضع الاقتصادي بالبلاد.

وقدم الحريري بعد أيام من تفجر الحراك استقالته، معلنا القطيعة مع العهد، وإن حرص على تجنب الدخول في أي صدام مع حزب الله. ويقول المتابعون إن قرار المحكمة التي تتخذ من لاهاي مقرا لها سيكون له تأثير على العلاقة بين الحريري الابن وحزب الله، وإن كان من المستبعد أن تصل الأمور حد التصادم في الشارع على غرار ما حصل في العام 2007.

وتنطق المحكمة بحكمها غيابياً بحق أربعة متهمين ينتمون لحزب الله، وتُعد هذه المحكمة، التي تشكلت منذ نحو 13 عاماً بموجب مرسوم صادر عن الأمم المتحدة، والمفترض أن تُطبق القانون الجنائي اللبناني، بحسب موقعها الإلكتروني، “الأولى من نوعها في تناول الإرهاب كجريمة قائمة بذاتها”.

وينفي حزب الله الاتهامات الموجهة لعناصره الخمسة، مؤكدا عدم اعترافه بالمحكمة التي يعتبرها “مسيسة”.

وقتل الحريري في 14 فبراير العام 2005، مع 21 شخصاً وأصيب 226 بجروح في انفجار استهدف موكبه مقابل فندق سان جورج العريق في وسط بيروت.

وباستثناء مصطفى بدرالدين، القائد العسكري السابق لحزب الله والذي قتل في سوريا العام 2016، تقتصر المعلومات عن المتهمين الأربعة الآخرين على ما قدمته المحكمة الدولية. ولا يُعرف شيء عن مكان تواجدهم.

وأسندت للمتهمين الأربعة، سليم عياش وحسن مرعي وحسين عنيسي وأسد صبرا، اتهامات عدة أبرزها “المشاركة في مؤامرة لارتكاب عمل إرهابي، والقتل عمداً، ومحاولة القتل عمداً”.

وكان بدرالدين، يُعدّ المتهم الرئيسي و”العقل المدبر” للاغتيال، لكن المحكمة توقفت عن ملاحقته بعد تأكد مقتله.

وتتهم المحكمة عياش (56 عاماً)، الذي قالت إنه مسؤول عسكري في حزب الله، بقيادة الفريق المُنفّذ للعملية. ويحاكم كل من عنيسي (46 عاماً) وصبرا (43 عاماً) بتهمة تسجيل شريط فيديو مزيف بثته قناة “الجزيرة” يدعي المسؤولية نيابة عن جماعة وهمية. ووُجهت لمرعي (54 عاماً) اتهامات بالتورط في العملية. ويواجه المتهمون، في حال تمت إدانتهم، احتمال السجن المؤبد. ويُتلى حكم العقوبة في جلسة علنية منفصلة عن جلسة النطق بالحكم.

اغتيال الحريري محطة فارقة في لبنان
اغتيال الحريري محطة فارقة في لبنان

وأوضح متحدث باسم المحكمة أنه “إذا كان الشخص المدان طليقاً وغير حاضر عند تلاوة الحكم والعقوبة تصدر غرفة الدرجة الأولى مذكرة توقيف بحقه”. ويحق للادعاء والمدان استئناف الحكم أو العقوبة، وفي حال توقيف أحد المتهمين يجوز له أن يطلب إعادة محاكمته.

ولا يعني النطق بالحكم أو العقوبة انتهاء عمل المحكمة، كونها فتحت قضية أخرى العام الماضي موجهة تهمتي “الإرهاب والقتل” لعياش في 3 هجمات أخرى استهدفت سياسيين بين العامين 2004 و2005.

وجاء اغتيال الحريري، الذي استقال من منصبه في 2004، في فترة بالغة الحساسية وفي خضم توتر مع دمشق، التي كانت قواتها منتشرة في لبنان وتتحكم بمفاصل الحياة السياسية. وشكل اغتياله علامة فارقة في تاريخ البلاد، بعدما دفعت النقمة الشعبية وتحالف “14 آذار” السياسي الواسع الذي أفرزه، إلى انسحاب السوريين.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية في باريس وبيروت كريم بيطار “حتى وإن كان للبنان تاريخ طويل من الاغتيالات السياسية، إلا أن هذا الاغتيال شكل زلزالاً حقيقياً”.

وخلال المحاكمة، قال الادعاء إنه جرى اغتيال الحريري كونه كان يُشكل “تهديداً خطيراً” للنفوذ السوري في لبنان، الذي تنخره الانقسامات الطائفية والسياسية وترتبط قواه السياسية بدول خارجية.

ويقر المدعون بأن القضية تعتمد على أدلة “ظرفية” لكنهم يجدونها مقنعة، وتعتمد أساساً على تسجيلات هواتف خلوية قالوا إنها تبين مراقبة المتهمين للحريري منذ استقالته وحتى الدقائق الأخيرة قبل التفجير.

وورد في القرار الاتهامي الصادر عن المحكمة أنه يقوم على أدلة “ظرفية تقوم على الاستنتاج والاستدلال المنطقيين”، بحسب نص القرار بالعربية، وأبرزها “التلازم المكاني” لسلسلة طويلة من الاتصالات الهاتفية التي أجراها المتهمون من هواتف محمولة عدة.

وقال زعيم تيار المستقبل سعد الحريري الأسبوع الماضي “لم نقطع الأمل يوماً بالعدالة الدولية وكشف الحقيقة”، داعياً أنصاره إلى التحلي بالصبر و”تجنب الخوض بالأحكام والمبارزات الكلامية على وسائل التواصل الاجتماعي”.

في المقابل حذر رئيس الوزراء الحالي حسان دياب، الذي شكل حكومته قبل أشهر بدعم من حزب الله، الأسبوع الماضي من “ارتدادات استحقاق 7 أغسطس”. وقال “بحسب معلوماتنا، المعنيون في هذه القضية سيتعاطون معها بشكل مسؤول لوقف الاصطياد بالماء العكر الذي قد يلجأ له البعض”. وأكد أن “مواجهة الفتنة أولوية”.

وأثار تشكيل المحكمة الدولية منذ البداية جدلاً وانقساماً في لبنان بين مؤيدين لها من حلفاء الحريري وآخرين من حلفاء حزب الله شككوا في مصداقيتها.

ويقول بيطار إنه وبرغم مرور الكثير الوقت ودخول الحريري الابن في تسويات سياسية مع حزب الله فإن “أكثر ما يثير القلق.. أن الاستقطاب لا يزال بالغاً، ومن الممكن أن تشتعل الانتماءات المذهبية مجدداً وبسرعة كبيرة”، والأسوأ أنها ستتزامن من أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

2