لبنان.. إعادة إنتاج نظام حكم ائتلاف المافيات

الثلاثاء 2016/11/15

بعد فراغ دام عامين ونصف العام في منصب رئاسة الجمهورية اللبنانية تم انتخاب العماد ميشال عون لهذا المنصب بعد أن اضطر سعد الحريري، رئيس تيار المستقبل، أن يدعم ترشيحه وهو الذي كان رشح بداية سمير جعجع لهذا المنصب ثم تراجع ليرشح سليمان فرنجية قبل عدة شهور.

وهكذا انتُخب العماد عون، مرشح حزب الله الدائم، رئيسا للبلاد بما يشبه التوافق المحلي وفي ظل تغاض إقليمي، وتم تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة.

سيواجه سعد الحريري الكثير من العقبات في طريق تشكيل حكومته نظرا إلى التنازع الذي بدأته القوى السياسية بخصوص الحقائب الوزارية، ولكن، في النهاية سيتم له ذلك، وستكون انطلاقة العهد الجديد بنفس الوجوه القديمة، ولكن بعد الكثير من التلميع الذي لم ولن تقصر بالقيام به وسائل إعلام نذرت نفسها لهذا الدور.

اللافت في الأمر أن ائتلاف القوى المافيوية المسيطرة يعيد إنتاج نظام سيطرته ومؤسساته السلطوية بسلاسة وفي ظل هدوء الشارع وغياب تام لقوى التغيير الحقيقية التي يفترض أن تعبّر فعلا عن مصالح الغالبية الساحقة من اللبنانيين الذين طالهم ولا يزال أبلغ الضرر، نتيجة سلوك وسياسات هذه القوى على مرّ عقود.

لقد كان الفراغ في منصب الرئاسة والتعطيل في المؤسسات والشلل الحكومي من أبرز مظاهر أزمة النظام، أما الفساد والمحسوبية والبطالة والهجرة وأزمات التعليم والصحة والكهرباء والماء والتلوث والمقالع والكسارات والسير والنفايات فهي نتاج طبيعي لسلوك قوى النظام التي استثمرت غياب المؤسسات وتواطأت طيلة مدة السنتين ونصف السنة في استمرار الفراغ الرئاسي الذي أراده حزب الله لأطول مدة ممكنة من أجل تمرير تدخله الدائم في سوريا وزج أكبر عدد من الشباب اللبناني في المقتلة السورية، بخلاف القوانين والأنظمة النافذة وكذلك خلافا لوثيقة بعبدا التي جاءت لتؤكد على حياد لبنان حيال الحالة السورية.

من هنا فإن إعادة إنتاج نظام سيطرة هذه القوى لنفسها لن يكون لها أي مردود إيجابي على حياة المواطنين الذين بادروا خلال السنة الفائتة بحراك شعبي واسع على خلفية أزمة النفايات الصلبة التي ملأت الشوارع، والتي لم تجد لها بعدُ حلا ناجعا، هذا الحراك الذي تمكن من اختراق الحصون والقواعد “الشعبية” المذهبية والطائفية لقوى السلطة فهددها بالتفسخ.

أزمة النظام، التي تجري إعادة إنتاجه اليوم بنفس القوى وبنفس الوجوه، هي عمليا أزمة قواه السياسية التي فرضتها بالأساس المتغيرات الكبرى التي ضربت المنطقة العربية عموما،

والأدوار المتضاربة التي قادتها مراكز الهيمنة الإقليمية التي تتبعها تلك القوى، في مواجهة الانتفاضات الشعبية منذ عام 2010.

فحزب الله، الذي يتبع نظام مافيا النظام في طهران، والذي كان يعد حلفاءه وقواعده المذهبية بانتصار سريع في حربه على الشعب السوري، تمادى في الغرق في الوحول السورية مع ما يتكبده من خسائر بشرية فادحة، بحيث بات الضخ المذهبي الدائم غير كاف للملمة صفوف “حاضنته الشعبية”، وتيار المستقبل، الذي يعاني من إفلاس سياسي ومالي دفع برئيسه إلى بيع عدد كبير من مؤسساته الخدمية والإعلامية وتسريح الكثير من موظفيه، يعاني من تفسخ ضرب قواعده وصولا إلى قياداته التي تنافر معظمها وأخذ كلّ منها لنفسه توجها سياسيا خاصا، والتيار الوطني الحر، العوني، اختصر مشروعه كاملا في انتخاب ميشال عون رئيسا للبلاد، وبما أن الأمر كان متعذرا فقد بدأ التفسخ يضرب قواعده وصولا إلى القيادات، أما باقي القوى فقد عانت من إفلاس مادي وسياسي دفعها إلى قبول خطوة سعد الحريري في دعم ميشال عون بعد أن كان رئيس القوات اللبنانية قد سبقه بشهور إلى هذه الخطوة، ما جعل انتخاب عون لمنصب الرئاسة أمرا واقعا، ساهم في ذلك تواطؤ وتغاضي القوى الإقليمية التي تمثل بالنسبة إلى القوى المحلية مراكز التبعية التامة، لكون انتخاب عون يمثل خشبة الخلاص لجميع قوى السلطة ومعبرا إلزاميا لإعادة إنتاج نظامها السياسي المأزوم.

وبانتخاب عون رئيسا، تمكن حليفه حزب الله (ومن خلفه نظام الملالي في طهران) أن يعتبر ذلك نصرا لفريقه، ما يساهم في استعادة تماسك قواعده الشعبية، أما التيار الوطني الحر فأقام المسيرات الشعبية وحشد لها احتفاء، ولم تغب عن تلك المسيرات أعلام القوات اللبنانية وحزب الله وتيار المستقبل في محاولة لإظهار التوافق “الوطني” حول انتخاب العماد عون. أما تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة فقد أعاد بعضا من التماسك لتيار المستقبل الذي احتفى بالمناسبة في جميع المناطق اللبنانية مظهرا تأييدا “شعبيا” لخطوة سعد الحريري التي كانت مثار خلاف عميق بين أركانه قبيل انتخاب عون وتكليف الحريري.

أما تمايز نبيه بري رئيس مجلس النواب فقد بدا وكأنه حرص على النظام وعلى قواعد “اللعبة” البرلمانية ما يظهر أنه رجل الدولة المطلوب لجميع الحقب.

لقد أرادت قوى السلطة من الاحتفالات والمهرجانات الشعبية التي عمت جميع المناطق اللبنانية إظهار قدرتها على التحشيد والسيطرة على الشارع وبالتالي تأكيد شرعية تمثيلها لهذا الشارع الذي لا يستطيع أحد منافستها في تحريكه بنجاح. وستكون الخطوة التالية بالتأكيد، إضفاء المزيد من الشرعية على هذا التمثيل من خلال إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر بغض النظر عن قانون الانتخاب المعتمد سواء كان قانون الستين (الذي اعتبرته هذه القوى نفسها أسوأ قانون انتخاب مرّ على لبنان) أو أي قانون يمكن لمجلس نواب هذا النظام إقراره، طالما أنْ لا منازع لهذه القوى، مهما أضرت بمصالح البلاد والمواطنين، في سيطرتها، ولا من يعرقل إعادة إنتاج نظام هذه السيطرة.

فهل ستتيح الظروف الإقليمية الفرصة لإتمام ذلك؟ وهل سيستمر الفراغ الصارخ في موقع قوى التغيير الحقيقية حتى تتم لائتلاف المافيات الحاكمة إعادة إنتاج نظام سيطرته؟

كاتب لبناني

6