لبنان إلى الشارع

كيف لمن يحمي نظام ائتلاف المافيات المسيطرة أن يتظاهر احتجاجا على ما أوصل البلاد إليه بنفسه، وبالتكافل والتحاصص مع باقي القوى التي تأتلف معه في السلطة في ظل وجود حكومة أو في عدمه.
الخميس 2018/12/20
إلى الشارع من جديد

لم تمض ساعات قليلة على الإعلان عن وفاة الطفل محمد وهبة في أحد مستشفيات شمالي لبنان حتى هبط الآلاف من المحتجين ليلا إلى شوارع الشمال وبيروت والبقاع والجنوب في حركة احتجاجية عفوية فجّرها هذا الخبر، ولكنها تعبّر عن مدى الاحتقان الذي وصل إليه حال اللبنانيين.

المحتجون الذين تحركوا ليلا في شارع الحمراء في بيروت تعرضوا للقمع العنيف على أيدي القوى الأمنية مما أدى إلى إصابة أحد الناشطين إصابة حرجة استدعت نقله إلى المستشفى، المستشفى الذي رفض استقباله إلا بعد أن حصل على تعهّد من قيادة قوى الأمن بتحمّل نفقة علاجه، لأن إصابته ناتجة عن سلوك أحد أفراد الأمن الخشن تجاهه.

الطفل وهبة ليس هو الأول الذي يموت على أبواب مستشفيات لبنان بسبب عدم وجود تغطية صحية من جهة، ولعدم توفر الأموال التي تشترط المستشفيات تأمينها قبل استقبال المرضى والتي تصل إلى مبالغ لا تتحملها الكثير من العائلات، في ظل أحوال معيشية تزداد صعوبة.

ففي وقت سابق من هذا الشهر توفيت الطفلة آية التيراني التي لم يتمكن أهلها من إدخالها المستشفى بسبب التكاليف الباهظة التي تحتاجها معالجتها ولم يمهلها المرض حتى تتمكن جهات خيرية من جمع المبلغ المطلوب لمعالجتها.

بات على المواطن اللبناني أن يتسوّل على أبواب النوادي الرياضية والمراكز الدينية كي يتمكن من تلقي العلاج في بلد صار عبارة عن سلسلة من مكبات النفايات، وباتت أنهاره بمثابة مجاريَ مفتوحة للمواد السامة والمسرطنة، في بلد أصبح من بين الدول الأكثر تلوثا وفي صدارة البلدان التي ينخر أجساد أهلها مرض السرطان وسواه من الأمراض.

وحيث يستعرض أهل السلطة ثرواتهم في رحلاتهم المكوكية حول العالم وفي شراء العقارات الشاسعة بمئات الملايين من الدولارات، وفي حفلات زفاف أبنائهم الخرافية، تضرب البطالة أكثر من أربعين بالمئة من شباب وشابات لبنان ويعم الفقر وتتزايد أحوال الناس بؤسا.

الطفل وهبة ليس هو الأول الذي يموت على أبواب مستشفيات لبنان
الطفل وهبة ليس هو الأول الذي يموت على أبواب مستشفيات لبنان

وفي حين تصبح فضائح أهل السلطة خبرا يوميا على الشاشات، لا يجد هؤلاء حرجا في تعطيل تشكيل حكومتهم لأشهر طوال لسبب معلن يتعلق بالحصص وبتقاسم الحقائب الوزارية. ونجدهم لا يغادرون شاشات الفضائيات يمنّون الناس بالجهود التي يبذلونها لحل العقد التي تعترض تشكيل حكومتهم العتيدة التي ستكون مهمتها “إنقاذ” البلاد من السقوط في الهاوية السحيقة التي لا يدرون من حفرها ودفع البلاد باتجاهها، وكأن الحكومات السابقة لم تكن حكوماتهم هم.

اليوم لم يعد يعبأ اللبنانيون، هل تشكلت الحكومة أم لا. فلا يأخذنكم الغرور لـ”تزفوا” للناس خبر اقتراب التشكيلة الحكومية. فلم يعد يعني أحدا من سيفوز بوزارة الأشغال أو بوزارة الاتصالات أو بوزارة الخارجية التي باتت وزارة لرحلات السياحة والبزنس.

كان لنجاح تظاهرة الحزب الشيوعي اللبناني في شوارع بيروت الأحد الماضي، بأن تشجّع اللبنانيين. وفتحت الشوارع أمامهم للتحرك. غير أن مشاركة شخصيات من حزب الله فيها طرح العديد من الأسئلة وأثار الكثير من الارتياب.

واليوم حيث الدعوات تملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي للنزول إلى الشارع، يطلقها ناشطون يساريون ومواطنون عاديون وناشطو وناشطات منظمات المجتمع المدني، أثناء وبعد مظاهرات الليلة الماضية التي جابت معظم المناطق، يتدخل حزب الله في عملية التفاف خبيثة بدعوة أتباعه وأنصاره إلى النزول إلى الشارع للتظاهر.

هذه الحركة ستربك الناس المتحفزين وستكون لها تداعياتها على الشارع، إذ يتخوف البعض من تحرشات تؤدي إلى صدامات بين المتظاهرين أنفسهم، وهذا خوف مشروع، إذ كيف لمن يحمي نظام ائتلاف المافيات المسيطرة، والذي بات شبه مسيطر على المؤسسات أن يتظاهر احتجاجا على ما أوصل البلاد إليه بنفسه، وبالتكافل والتحاصص مع باقي القوى التي تأتلف معه في السلطة في ظل وجود حكومة أو في عدمه، في ظل وجود رئاسة جمهورية أو في ظل التعطيل الذي يفرضه هو في الحالتين؟

لا شك أن من تم الاعتياد على تسميتهم بالقواعد الشعبية لحزب الله، كما القواعد الشعبية لباقي القوى المسيطرة، هم من هذا الشعب الذي يتعرّض للظلم، لكن أن يهبط كل هؤلاء إلى الشارع تحت قضية واحدة متجردين من انتماءاتهم الحزبية ومنقلبين على أعدائهم الحقيقيين الذين هم قادة تلك الأحزاب والقوى شيء، وأن ينزلوا إلى الشارع حاملين معهم راياتهم الحزبية وشعاراتهم المعهودة شيء آخر.

والأسوأ من هذا أن تكون للحزبيين أجندتهم التي تهدف إلى ضرب أي إمكانية للحراك الاجتماعي الموحَّد حول مطالب وطنية جامعة، والموحِّد للقواعد الشعبية التي قسمها أهل النظام طائفيا ومذهبيا، وبالتالي منع هذا الحراك المتجدد من استعادة الشارع الوطني الذي بإمكانه فرض أجندته على قوى السلطة أو انتزاع السلطة منهم ومحاسبتهم على جرائمهم.

على ناشطي الحراك المستجد أن يتذكروا أن اختراق شبيحة حركة أمل لحراك سنة 2015 كان من أسباب إجهاضه. فما بالكم إذا اخترق حراككم اليوم “مجاهدو” حزب الله؟

9