لبنان.. اغتيال الأمكنة وذاكرتها والمواطن المستحيل

الأربعاء 2017/04/05

أسفر إشكال جرى في منطقة الشياح اللبنانية مؤخرا عن مقتل بائع الطيور حسن علاء الدين الذي صودف وجوده في المكان. كان ذلك المشهد علامة على أن عملية اغتيال مقصودة للأمكنة وللذاكرة تجري على قدم وساق. تلتقي هذه النزعة مع عمليات الأمن الاجتماعي التي كثرت مشاهدها في بعض مناطق الضاحية والمرشحة للتمدد إلى أكثر من مكان.

ما تحاول هذه الصورة أن تؤسس له هو النفي التام لعلاقة شاغلي المنطقة الحديثين والتاريخيين بمناطقهم، والمحو التام لأي ذاكرة لا ينطلق من الواقع المستجد ويقيم فيه.

لقد عشت مراهقتي في الشياح اللبنانية، وكان أهلي من أوائل قاطني المنطقة وقد هالني حين شاهدت الصورة المنشورة عن الحادثة والتي تظهر معالم المكان أنني لم أعد قادرا على أن أتلمس ملامح وجهي وذاكرتي، بل بت أنظر إلى المكان الحاضن لذاكرتي بوصفه مكانا غريبا ومعاديا. ليس هذا الإحساس الذي انتابني شعورا خاصا، بل يستطيع أن يقدم مدخلا لقراءة مناخ التحولات التي شابت الأماكن وعلاقة الناس بها في البلد.

يقول أول درس من دروس الوطنية في أي بلد في العالم إن فكرة الوطن إنما هي فكرة مكانية في الأساس، فهي تنطلق من البعد الخاص بالمكان لتؤسس عليه لاحقا كل البنى الرمزية والسيكولوجية، والأشكال الحقوقية التي تسم معنى وجود الفرد في كيان محدد والتي تصنع فكرة المواطنة.

روح الإرهاب تتمثل في هذا البعد أكثر من أي شيء آخر، فكما يسمُ هجوم إرهابي على أي مكان في العالم المكان بطابعه وينزع عنه روحه وذاكرة أصحابه، فإن ما يحدث من عنف عام في لبنان يقوم بالمهمة نفسها لناحية سلخ الأماكن عن تاريخها وذاكرتها.

حين سقط بائع العصافير البريء في الشياح لم يعد المكان سوى ظل لهذا الحدث. كل الأحاديث في الفترة القادمة ستدور حول هذا الفعل الذي لن يكون فعلا عابرا، بل إن العابر فقط هو موت البائع البريء. الفعل سيكون ثابتا وآيلا للتراكم عبر سلسلة حوادث مماثلة يعلم الجميع أنها باتت تمثل روح المكان اللبناني عمـوما، وتعبّر عن المنطق السائد فيه والذي لا يفعل أحد شيئا لتداركه.

يتحول السكان في هذه الحالة إلى رهائن ذاكرة جديدة وضيّقة تكرر مشهدا واحدا عبر ضحايا يتجددون كل يوم. ترتفع آلة إهدار ضخمة تسحل الجميع وتحول المكان إلى أطلال وتحول المقيمين فيه إلى شواهد خرساء.

ليس هذا المشهد صورة شعرية بل إن فظاظته وواقعيته تجعلانه مادة للقراءة والتحليل، فهل يمكن تفسير حال الصمت الذي يضرب أهل الضاحية وغيرها من الأماكن المهدورة سوى أن لسان الناس قد بات مصادرا إثر مصادرة أمكنتهم وذاكرتهم ولغتهم؟

يمكن تسجيل مفارقة حادة ولافتة تتكرر مع كل إشكال وهي نسب صفة الفردية إليه. لا شيء يستدعي السخرية في الواقع اللبناني أكثر من ذلك لأنه في اللحظة التي بات فيها الفرد ممتنعا وغير قابل للوجود عمليا، تنسب إليه القدرة على افتعال مشاكل مسلحة في مناطق خاضعة لوصايات حزبية وعلى القتل دون مساءلة.

إنه زمن الفرد – الجماعة الذي يردد في سلوكه الفردي خطاب الجماعة ويعبر عن سطوتها. بقدر ما يعكس هذا الواقع استحالة وجود الأفراد كحالات مستقلة، فإنه يعكس استحالة التغيير الذي لا تنتجه عادة الجماعات بل الأفراد، ويشير من ناحية أخرى إلى اضطراب حاد في العلاقات بين الأفراد كونها صارت جزءا من منطق تبادل الجماعات لخطاباتها.

نحن أمام استحالة المجتمع إذن. لا علاقات شخصية وفردية وعائلية أو صداقات تستطيع النجاة بسهولة من أسر خطاب الطائفة. كل هذا يعني أن الحياة العامة تحولت إلى هذيان الطوائف عن نفسها. ليس القتل المجاني سوى تعبير عما تفرزه الطوائف عن ذاتها من هذيانات، ما يخرجه من دائـرة الوضع الاستثنائي والشاذ ويجعله امتدادا لفكرة خاصة عن السوي والطبيعي.

تدمير العلاقة بالمكان يؤسس في النهاية لنهاية السياسة ويحول البلد كله إلى حالة ملتبسة، ويعطي الشرعية لموت أبنائه دفاعا عن أمكنة تكتسب معنى وذاكرة يحرم منهما المكان اللبناني.

سقط المئات من الشباب اللبنانيين في سوريا والعراق واليمن دفاعا عن أمكنة، تنبع قداستها التي تستوجب الموت في سبيلها من كونها مناطق يراد لها الدخول في دائرة النفوذ الإيراني.

يطرح هذا الواقع المر سؤالا خطيرا لا يطال فقط الخلفية التي دفعت بهؤلاء الشباب إلى الموت في سبيل هذا المشروع الذي يناقض وجود لبنان كوطن، ولكن في هشاشة الاحتجاج والاعتراض عليه من قبل ضحاياه.

تكمن عناصر الاستغراب في أن هؤلاء الضحايا لم يبدلوا وطنا بوطن آخر، بل بدلوا وطنا لا بديل لهم عن العودة إليه والعيش فيه بالموت المجاني مقابل ولاء ينسف كل شروط العلاقة مع الوطن الذي يدعى لبنان.

كيف يمكن لمن قبل بالموت في سبيل ولاء لبلد آخر أن يقبل بفكرة أن موته في سبيل ذلك البلد لم يجعل بيئته أو أهله يتمتعون على الأقل بصفة مواطنين في ذلك البلد. يمـوت شباب حزب الله وغيـرهم من التيـارات الدينية في لبنان في سبيل بلدان لا تجعلهم مواطنين ولا تمنح لمـوتهم معنى خارج خطاب مصالحها الذي لا يعنيهم في شيء.

هذا هو الهدف العميق لاغتيال المكان، وهو تحويل أبناء هذا البلد إلى كائنات آيلة للإهدار المجاني، والتأكيد على استحالة تحولهم إلى مواطنين سواء في البلاد التي يموتون لأجلها أو في بلادهم.

المسؤولية عن استحالة وجود الإنسان المواطن في لبنان جماعية ولا تقع على عاتق حزب الله وحده كما يقول البعض. كل القوى السياسية تحاول أن تخلق للناس ذاكرة جديدة وعلاقة جديدة بالمكان، تنطلق من لحظة وجودها أو ترتبط بمحطات خاصة بها. من هنا لا يعود المكان ملك الناس بل يصبح مساحة مشحونة بدلالة خروجهم من الميدان العام وتحويلهم إلى أسرى.

يستوي في المسؤولية عن ذلك أصحاب الأبراج ومصادري المساحات العامة وأهل السلاح والقمصان السود.

كاتب لبناني

9