لبنان الأصغر مساحة والأكثر استباحة

الاثنين 2014/08/04

الدولة اللبنانية بصفتها العملية لا الرسمية مغيبة تقريبا ودون مبالغة منذ استقلالها. لا مرجعية لها فعليا إلا في المحافل الدولية والمؤتمرات والزيارات وأحيانا في قضايا الغاز والكهرباء وبعض هموم الحياة ومشاكل المواطن البسيط. أما في ما يختص بسيادتها وقرارها وأمنها الداخلي وسياساتها الخارجية، فالآراء متعددة ومتباينة ومختلفة تعدد الطوائف والانتماء الحزبي والإيديولوجي في بلد هو الأصغر عربيا على صعيد المساحة، لكنه الأكثر استباحة سياسيا وانقساما.

على مدى عقود لبنان الحديث، لم يتمتع البلد بتوافقٍ شعبيٍ واحد على أحد القرارات المصيرية إلا ما ندر، والمحصلة هي حرب أهلية امتدت لأكثر من خمسٍ وعشرين سنة، لا يزال المواطن اللبناني يحيا تبعاتها. فبعد أن فقد فيها وأصيب ثلث السكان وهجر الثلث الآخر، لا تزال بعض القوى تلعب دورا في عدم الإستقرار والفوضى الأمنية، فهي وباعتقادها أن الساحة اللبنانية بمثابة ورقة للمرابحة والمفاوضة، كما أنها وكما يبدو ملعبا لقوى أجنبية لتصفية الحسابات وعقد الصفقات والتفاهمات، تارةً سوريا التي تواجدت فيها بقواتها وعتادها وجنودها وسياسيها ومخابراتها وأزلامها لأكثر من ثلاثين سنةٍ، وأخرى أيران التي أوجدت لنفسها ذراعاً طولى عبر حزب الله; الممثل لسياساتها الخارجية والراعي الرسمي العسكري لمواقفها في المنطقة، والمنفذ لأجندتها.

الجيش اللبناني قد لا نكون مخطئين إن أطلقنا عليه اسم الحيادي المُغيب. لو تساءلتم معي: كيف تكون لجيش الدولة هيبة في ظل وجود أكثر من طرف منظم ومسلح، بعضه بشكلٍ أقوى وأحدث من الجيش الوطني نفسه؟، وكيف تكون له سطوة وسلطة أمنيا إن كانت ردات فعله معروفة ومحسومة مسبقا لتكون محايدة ومختصرة ومحصورة فقط في فض الاشتباك!

الجيش في كل دول العالم ليس بلجنة حكماء ولا هو حيادي تجاه أمن الوطن، وإنما هو عصا غليظة لكل من عصا وتجبر وأخطأ وتمادى، لكل من “فرد عضلاته” على حساب الآخر، لكل من يهدد السلم الأهلي والاستقرار، لا كبيرعليه، وإنما يصغر الكبار له. بياناته لا تحمل عبارات الرجاء، بل هي تحذير نهائي، يليه عمل كل ما يلزم لحفظ الأمن والاستقرار والحفاظ على مصلحة الوطن دون أي انتهاك أو تعدٍ خارجيٍ كان أو داخلي.

ما معنى أن يقتل العديد في الأراضي اللبنانية وتعم الفوضى وتحدث اشتباكات بين أطراف وجماعات مختلفة الانتماء وخصوصا في طرابلس؟ وما معنى أن يكون سكان أحد أحيائها شوكةً في عنق الآخر؟ كيف يسمح الجيش الوطني لنفسه بأن يرى بعينيه الأسلحة مرفوعة دون أن يحرك ساكنا!

لن تقوم للبنان قائمة ولن تطرد طيور الظلام من ترابه إلا وأولا بجيشٍ عربيٍ لبناني ممثل بأساس الوطنية، مدني الإيديولوجيا، عسكري الهوى، كالأعمى والأصم لايرى الظاهر ولا يستمع للأخر بل يعمل على هدفٍ واحد هو استقرار أرضه ونماؤها وسلامة مواطنيه والمحافظة على مكتسباتهم وكسر قدم كل من يتجرأ على لبنان وترابها الوطني. في ظل وجوده، لا قوة أو سلاح أو قول يعلو فوق مصلحة الوطن، لا استخبارات إلا ما يتبع له، ولا معسكرات تدريب ومخازن أسلحة إلا ما يخصه.

على لبنان أن ينفض من يديه ساسته المخضرمين، وأن يشد إزر جيشه، وأن يعمل لنبذ تقسيمته السياسية الداخلية القائمة على المحاصصة الحزبية والطائفية والمناطقية، فأوانها قد ولى واستمرارها ضمانة أكيدة لاستمرار مسلسل الفوضى وتبعاته من حالة التشرذم والانقسام وإعطاء الفرصة للغريب بأن يتحكم في شعبه وأرضه وينقل صراعاته الداخلية وأزماته إلى الأرض اللبنانية.

الاستحقاقات الانتخابية في لبنان أبعد ما تكون عن الديمقراطية بروحها والغرض منها، فهي على الدوام شللٌ سياسي، من انتخاب رئيس الجمهورية إلى التوافق على رئيس الحكومة وتشكيلها، فالبيان الحكومي، الذي لا يعدو كونه حبرا على ورق، إلا أنه يأخذ من الوقت والتشدد والشد والجذب، وقد يعطل الحياة السياسية فترةً من الزمن حتى يتم التوصل إلى صيغةً توافقيةٍ له!

لبنان رغم صغر مساحته وضعف موارده الطبيعية إلا أنه قادر، إن حسنت النية، على أن يكون متطورا مستقرا ومزدهرا، فلديه كفاءات إنسانية متميزة، وبنية تحتية سياحية مستقطبة للسياح من كل العالم، وأراضٍ زراعية إن استغلت تكفي لتكون سلة غذاء.

لو تناسى اللبنانيون السياسة عقدا من الزمن وركزوا على التنمية وبناء اقتصادٍ قوي، ستختلف المعادلة السياسية فيه، وسيكون المعيار لدى مواطنيه هو الانتماء إلى الوطن، وستندحر الطائفية، وسيرى مواطنوه استقراراً ونماءً لطالما راوداهم كحلمٍ آثر هواهم إطالته فلم يفلحوا، فتركوه خلف ظهورهم وهاجروا إلى دولٍ أخرى منحتهم الاحترام والاستقرار!

6