لبنان: الإعلام وصناعة "مشاريع سياسية" للطوائف

الأربعاء 2015/04/15

حيث أن الأدوات الإعلامية لنظام سيطرة ائتلاف المافيات في لبنان لا تتوقف عن الضخ التضليلي، فإنه لزام علينا أن لا نتوقف عن فضح ما تروج له بين الناس، بمناسبة ودون مناسبة، من أضاليل، الهدف منها التعمية على الحقائق والبديهيات المعروفة.

وإذا كانت المناسبة هي الثالث عشر من أبريل وبالتالي مرور أربعين سنة على الحرب الأهلية في لبنان، وإذا كان حسم الحرب وإيقافها جاءا بمبادرة خارجية فرضتها أجندات القوى الدولية في المنطقة وبعض التوازنات، وبالتالي لم يحسمها انتصار داخلي لفريق على آخر، وإذا كان اتفاق الطائف الذي أنهى الاقتتال قد طبق بالشكل الذي فرضه النظام الأسدي وتكيفت معه مصالح أمراء الحرب، فإن تأريخ تلك المرحلة المدمرة من تاريخ لبنان ظل عرضة للتشويه والابتسار، بما يتوافق مع مصالح تلك القوى وتأبيدا لسيطرتها حفيدا عن وليد.

لم تختلف سيرورة الحرب الأهلية في لبنان عما تشهده سيرورة الثورات العربية وبالأخص الثورة السورية الراهنة. فالمشترك بين هذه وتلك هو النظام الأسدي. هذا النظام الذي دمر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان خلال الحرب الأهلية وبعدها مباشرة أو بالوكالة، كما دمر مخيماتهم في سوريا على رؤوس ساكنيها الذين لم يعرفوا الموت جوعا إلا على يد هذا النظام، وفي سوريا تحديدا. كل ذلك تحت شعار الممانعة وتحرير فلسطين.

هذا النظام نفسه هو الذي بذل كل ما لديه لتحويل الصراع في لبنان إلى اقتتال طائفي طويل الأجل تغيب تحت أثقاله مطالب الناس وأهدافهم في التغيير، وتضيع في شعابها قضية الشعب الفلسطيني وتدمر أو تدجن قواه، يبذل اليوم كل ما يستطيع لتحويل الثورة السورية إلى حرب طائفية لا تنتهي، تضيع تحت أنقاضها قيم الثورة وأهدافها وشعاراتها وهتافاتها، وتدمر في خلالها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتسحق.

لم يكن الثالث عشر من أبريل 1975 معزولا عما قبله. بل كان نتيجة طبيعية لمعاناة طويلة ولحراك اجتماعي احتجاجي مديد شمل مختلف القطاعات المجتمعية لسنوات، شهدت التظاهرات والاعتصامات الفلاحية والعمالية والطلابية والتربوية على مختلف المستويات، وشهدت الكثير من الصدامات التي سقط بنتيجتها العديد من الشهداء في سبيل تغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بشكل يتيح لتلك القطاعات وللعاملين فيها الاستمرار. وإذ تعتبر الشرارة الأولى لهذه الحرب قد انطلقت من عين الرمانة (ضاحية بيروتية) نتيجة اعتداء ميليشيا اليمين اللبناني على حافلة تقل فلسطينيين نتجت عنه مجزرة مريعة بحقهم، فإن نائب صيدا الشهيد معروف سعد الذي اغتيل وهو يشارك في مظاهرة صيادي الأسماك، لم تكن قد جفت دماؤه بعد. وبالتالي فإن الرد لم يكن فقط على مجزرة عين الرمانة، ولكنه جاء ردا على كل تلك المرحلة من القمع ومن تجاهل مطالب المسحوقين على مدى أعوام ومواجهتهم بالرصاص الحي، ثم استحضار ميليشيا اليمين اللبناني كقوة احتياط (تذكر بشبيحة الأسد) لحماية النظام.

واليوم، تصر وسائل الإعلام ومِن ورائها قوى الائتلاف المافيوي المسيطر، على الترويج لفرضيات “تعدد المشاريع” السياسية في لبنان باعتبار أن لكل طائفة مشروعها السياسي، على أنها حقائق تاريخية، وبالتالي لابد من التوافق بين تلك الطوائف على حدود دنيا تجعل “السلم الأهلية” ممكنة. هذا التضليل المتعمد ينسب المشاريع السياسية إلى الطوائف وإلى المذاهب التي اغتصب واحتكر تمثيلها أمراء الحرب الذين أسهم نظام الأسد منذ تدخله في لبنان في خريف سنة 1976 في تكريس قيادتهم للصراع من أجل حرفه عن كونه صراعا للتغيير الاجتماعي تحت مشروع وطني بعناوين محددة، طرحته الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة الشهيد كمال جنبلاط الذي اغتالته مخابرات النظام الأسدي ربيع عام 1977، كبرنامج مرحلي للتغيير الديمقراطي.

لا بد من التأكيد في هذه المرحلة، أنْ لا مشاريع سياسية حقيقية في لبنان، لا للطوائف ولا للمذاهب، ولا حتى لدى أمرائها الغاصبين لتمثيلها السياسي. في لبنان مشاريع خارجية تخص مراكز الهيمنة الإقليمية والدولية وتلتزم بها بالحذافير القوى المافيوية المسيطرة، وتكيف سياساتها مع تلك المشاريع بما يكفل استمرار تبعيتها.

الطوائف والمذاهب لا تستطيع حماية المواطنين ولا تأمين مصالحهم ولا أن تفتح لهم الآفاق لمستقبل يمكنهم من العيش بكرامة في بلدهم، ولكنها، بالنسبة إلى الغاصبين لتمثيلها، تمثل الحصن الذي يقيهم المساءلة والمحاسبة والملاحقة، والوقود الذي يستخدم لحماية سيطرتهم وتوسيعها وتأبيدها.

ورغم أن اتفاق الطائف تضمن بنودا إصلاحية هامة في مجال إلغاء الطائفية وفي قانون الانتخابات وسواهما، والتي توافقت وصاية النظام الأسدي على لبنان مع مصالح أمراء الحرب على شطبها، فإن المشروع الوطني الوحيد الذي طرح في لبنان ولم يكتب له أن يبصر النور بسبب التدخل الخارجي (الأسدي خصوصا)، كان مشروع الحركة الوطنية اللبنانية الذي كان له وحده أن يجعل من لبنان بلدا للمواطنة وللحرية ولحد مقبول من العدالة الاجتماعية، وبالتالي لم يكن يتلاءم مع أنظمة تقوم على الاستبداد والفساد وإلغاء المواطن، فتدخلت لشطبه ولتحويل الصراع في لبنان من صراع اجتماعي، إلى حرب طائفية مهدت لسيطرة أمراء حرب تحالفوا مع حيتان المال في ظل الحكم الأسدي والتوافق الإقليمي والدولي.

وبانتظار أن يتمكن اللبنانيون المتضررون من سيطرة الأجندات الخارجية عبر ممثليها المحليين، من إنتاج مشروعهم الوطني للتغيير والتحرر، مشروعا للمواطنة والعدالة الاجتماعية، سيظل الإعلام في لبنان أحد أدوات سيطرة الطبقة المافيوية التابعة ينشر الأضاليل ويزور الحقائق. ويبقى الرهان على إعلاميين أحرار يتمتعون بالصدق والحس الوطني وبالكرامة الإنسانية.

كاتب لبناني

9