لبنان: الانقسام حول الثورة السورية

الثلاثاء 2013/08/13

تشهد الساحة اللبنانية انقساما حادا حول الموقف من الثورة السورية تظهره وسائل الإعلام المختلفة التابعة لقوى النظام المحلي والإقليمي بحسب انقسامات قوى النظام في لبنان، لكأنما الانقسام السياسي في لبنان يخلق عالما على شاكلته ومثاله. فتصبح قوى 14 آذار ومؤيدوها داعمة للثورة السورية ومدافعة عنها بينما قوى 8 آذار بقواعدها الشعبية وحلفائها تدافع عن النظام في سوريا وتنخرط في صراعه مع الثوار من أجل البقاء. فأين هي سياسة النأي بالنفس التي التزمت بها الحكومة اللبنانية؟ وماذا عن حقيقة المشهد الإعلامي من المداخلات اللبنانية في الشأن السوري؟

يحضرني في هذا المجال ما تعرض له من بقي في لبنان من عمال سوريين بعد اغتيال رفيق الحريري من عنصرية وتنكيل أدى إلى سقوط عدد من الضحايا بينهم على أيدي مجموعات تنتمي لمختلف قوى 14 آذار في مناطق مختلفة من لبنان بشكل مدروس ومخطط له. ما لم يتم الاعتذار عنه من أي من تلك القوى ولم يتم التحقيق في تلك الحوادث ولا تحديد المسؤوليات فيها. في حين أن عنصرية تلك القوى حيال الشعب السوري النازح إلى لبنان في هذه المرحلة لا تخفى على المراقب. فما هي حكاية الدعم التي يكثر الحديث عنها من قبل قوى 14 آذار لتلك الثورة؟

يبدو أن موقف قوى 14 آذار ليس دعما للثورة السورية بقدر ما يجسد ثأرا من نظام بشار الأسد وتاريخه. وهذا ينسحب على قوى 14 آذار بكل قواها: تأييد الثورة السورية ليس بما هي ثورة شعب يناضل للتحرر والانعتاق من الاستبداد والفساد، بل هو موقف ثأري للتشفي والانتقام من سلطة بشار لا أكثر ولا أقل.

هل هذا ينعكس على الشارع المحسوب على تلك القوى؟ في الأغلب لا. فالموقف الشعبي مؤيد لثورة الكرامة والحرية دون شروط. خاصة أن الشعب في لبنان بمختلف فئاته قد عانى ما عاناه الشعب السوري من نفس النظام خلال فترة سيطرته على لبنان والتي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.

وإذا كانت الادعاءات تقول أن قوى 14 آذار تؤمّن مختلف أنواع الدعم للثورة السورية فإن ذلك غير دقيق بالمرة. فهذه القوى لم تؤمن أكثر من دعم كلامي وإعلامي كان له آثار سلبية على الثورة السورية أكثر مما كان له من آثار إيجابية. أما المساعدات المادية التي كان يجمعها هذا التحالف فكان يصل منها إلى المحاسيب ربما أكثر مما كان يصل إلى الشعب السوري سواء في الداخل أو في اللجوء. بينما احتضنت بيوت اللبنانيين النازحين وقدمت لهم كل عون مستطاع. وهذا ما لا يتحدث عنه الإعلام.

أما الفريق الذي يدعم النظام في حربه ضد الثورة أي فريق 8 آذار بقيادة حزب الله، فقد أكد موقفه جهارا نهارا من خلال الفعل العسكري المباشر. ففي حين لا تمتلك قوى 14 آذار ميليشيات مسلحة ومدربة، فإن حزب الله يمتلك جيشا حقيقيا. فباستثناء الطائرات فإنه يتفوق على كثير من الجيوش بتدريبه وتنظيمه وعقيدته القتالية وانضباطه التام. وإذا كانت بعض القوى السلفية التي ترتبط من خلال الدعم المادي بتيار المستقبل وبالمرجعيات الخليجية الداعمة، قد حازت إمكانية تسليحية معينة، غير أن هذه المجموعات تبقى تحت المجهر، فإذا لاحظ داعموها تزايدا في قوتها أوقفوا الدعم عنها، بل وقاموا باجتثاثها، كما حدث في حالة الأسير.

وما يؤكد هذه الرؤية أن تلك المجموعات قامت بإرسال مجموعات مسلحة لقتال قوات النظام السوري في ريف حمص، فرجع معظمهم جثثا بعد ساعات من إرسالهم.

هناك فارق جوهري بين القوى السلفية في لبنان وبين حزب الله رغم تشاركهم أيديولوجيا دينية غيبية متشابهة: الخلافة وولاية الفقيه. هذا الفارق يتجلى في أن مشروع ولاية الفقيه قد تجسد في دولة ذات مقدرات وإمكانيات هائلة توظف في تكريس هذا المشروع والعمل على توسعة نفوذه وسيطرته، في حين أن مشروع السلفيات في لبنان يقتصر على بضع شعارات وبعض الدعم المشروط من قوى سلطوية لا تنتمي إلى نفس المشروع: الإمارة- الخلافة. من هنا فإن التدخل العسكري لحزب الله في سوريا هو تدخل مؤثر، في حين أن تدخل القوى السلفية لا يقدم للثورة سوى مزيد من الإرباكات خصوصا أنه يصب في اتجاه تحويلها إلى حرب مذهبية وطائفية تخدم النظام وتنعكس سلبا على حركة الثورة وأهدافها الحقيقية.

صحيح أن حزب الله يتدخل إلى جانب النظام السوري. ماذا عن حلفائه؟ يبدو أن التيار العوني غير منسجم تماما مع سياسة حزب الله وقد انعكس ذلك في مجموعة التعارضات التي نشأت مؤخرا بين الحزب والتيار في عدد من القضايا الداخلية.

وماذا عمّا يُعتبر القاعدة الشعبية لحزب الله؟ قد يُظهر الاعلام توافقا وانسجاما كبيرين بين القواعد الشيعية وسياسة حزب الله حيال الثورة السورية. لكن الواقع مختلف بحدود. فالذين فرض عليهم النزوح أثناء حرب 2006 على لبنان إلى سوريا تم احتضانهم بشكل حقيقي من الشعب السوري. فرغم نزوح مئات الآلاف من الجنوب والبقاع والضاحية لم نشهد أوضاعا إنسانية صعبة للنازحين اللبنانيين في سوريا. بل لم نشهد أي كلام عن مخيمات أو ما شابه. لقد استقبلوا في منازل السوريين التي رفعت فوق عتباتها صور حسن نصرالله قائد المقاومة التي دحرت العدوان الصهيوني.

هؤلاء لا يمكن أن يتخيلوا أنهم بمساندتهم لسياسة حزب الله وعدوانه على الثورة السورية يمكن أن يبقي لهم مكان لدى الشعب السوري الذي يعاني القتل والدمار والتهجير على يد النظام المدعوم من حزب الله. هؤلاء ومئات العائلات التي فقدت أحد شبابها في تدخل حزب الله هناك بدأت تتململ وبعضها رفع الصوت بوجه حزب الله الذي قام بتشييع ضحاياه الأوائل بتظاهرات مؤيدة، ثم ما لبث أن بدأ يتكتم عن ضحاياه العديدين في سوريا. هذا التكتم سببه الخوف من ارتفاع صوت القواعد الشعبية أكثر فأكثر. خصوصا أن تلك القواعد تعاني كما كل اللبنانيين من سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تعكس السياسات التي ينتهجها حزب الله وحلفاؤه وخصومه من مافيات السلطة في لبنان، وهي تشهد على تكاثر فضائح الفساد التي يتورط فيها كوادر من حزب الله كغيره من القوى. وأخيرا، ماذا عن سياسة النأي بالنفس؟

يتأكد أن مصير سياسة النأي بالنفس لا يختلف عن مصير سواها من السياسات والأنظمة والمؤسسات والقوانين في لبنان. فهي تفعّل لخدمة سياسات القوى المافيوية المسيطرة ومراكز تبعياتها الإقليمية والدولية وتتعطل وتتجاوز حين يتطلب الأمر ذلك، وهذا الأمر نفسه ينطبق على السياسة الخارجية في لبنان بغض النظر عن كل ما يتعلق بمصالح الدولة اللبنانية وخصوصا مصالح المواطنين اللبنانيين وجميع المقيمين في لبنان.

8