لبنان.. التعاون الإنساني يسجل هدفا في مرمى الخلافات السياسية

الخميس 2013/11/07
مراكز إنسانية تفتح أبواب التواصل بين اللبنانيين بجميع طوائفهم

لبنان-اللبنانيون قد لا يتفقون مع بعضهم في المجال السياسي، ولكن علاقتهم على أفضل ما يكون في مؤسسات الرعاية الإنسانية والصحية.

فقد شهدت «العرب» زيارة قام بها وفد من مركز مواقدية الإنجيلي لرعاية كبار السن، وموقعه رأس بيروت قرب مستشفى الجامعة الأميركية، إلى دار العجزة الإسلامية والتي تقع على مقربة من المدينة الرياضية ومخيمي صبرا وشاتيلا في جنوب بيروت.

وترأست وفد المؤسسة الأولى في هذا اللقاء مديرة مركز مواقدية جويس الخوري عيد فيما قاد وفد المستقبلين في دار العجزة الإسلامية عزام حوري.

وبرغم أن مركز مواقدية انطلق عمله منذ عامين فقط، على إثر هبة قدمها جان مواقدية، وهو طبيب سابق في مستشفى الجامعة الأميركية وشقيقته، فيما بدأت دار العجزة الإسلامية نشاطاتها في ثلاثينات القرن الماضي بمبادرة كان للرئيس الراحل الحاج حسين العويني، ورئيس الوزراء في فترة استقلال لبنان رياض الصلح دوران كبيران فيها، فإن تبادل خبرات المركزين كان مفيدا إلى أقصى الدرجات، وخصوصا أن حوري قاد ضيوفه في جولة لمختلف دوائر الدار التي تشمل رعاية كبار السن، ومعالجة ذوي الأمراض المزمنة، وحماية الأطفال المعوقين جسديا وعقليا بالإضافة إلى مداواة المصابين بأمراض نفسية خطيرة.

وكانت مؤسسة العجزة تعمل فقط كدار للمسلمين المسنين في بداية عملها، كما هي الحال حاليا في مركز مواقدية الذي يضم 36 غرفة ويفتح أبوابه للمسنين أو الراغبين بالسكن المريح من كل الطوائف. غير أنه وفي عام 1959، يقول حوري، أضيف إلى دار العجزة الإسلامية قسم للأمراض النفسية والعقلية، وصارت الدار تستقبل النزلاء والمرضى من جميع الأعمار وتحولت في ستينات القرن الماضي إلى ما يشبه المعهد لتدريب الأطباء والمعالجين النفسيين بالإضافة إلى دورها في المعاينة والرعاية، وتحولت إلى إحدى أبرز مؤسسات الرعاية والتدريب في لبنان والعالم العربي، وتم تدشين ما يوازي المستشفى التعليمي فيها بالاشتراك مع كلية الطب في الجامعة العربية في بيروت وحظيت المؤسسة بوثائق الاعتماد من المجالس الطبية العربية والإقليمية في أواخر التسعينات.

وأكدّ حوري أن الدار تتسلم الحالات الصعبة من دار الأيتام الإسلامية وتتولى رعاية هؤلاء الأطفال. وقد شاهد الوفد الزائر مشاهد مؤثرة في هذا القسم لأطفال معوقين جسديا وعقليا، قال حوري، إنه قلما يزورهم أحد من عائلاتهم.

كما تُعنى الدار، حسب قوله، منذ عام 2008 بمرضى العناية الفائقة والعناية الملطّفة، أي المرضى الذين انهارت حالتهم الصحية إلى أقصى الدرجات وصاروا على مقربة من الموت وليس لديهم من يرعاهم عائليا.

وأكد أنه لا توجد مؤسسة أخرى في لبنان تقوم بمثل هذا العمل الإنساني الكبير، ألا وهو مواكبة الإنسان إلى نهاية حياته.

وتعتني دار العجزة الإسلامية بعد تحويلها إلى ما يشبه المستشفى، بستمئة (600) مريض وكبير في السن أو طفل معوق.

وأوضح حوري أن المريض في حالة نهاية حياته يكلّف كثيرا من الناحية المادية، والدار تحصل على معونة من وزارة الصحة اللبنانية في هذا المجال ومجالات أخرى، ولكن هذه المعونة المادية ليست كافية. وفي بعض الحالات، تغطّي الوزارة 85 بالمئة من التكاليف فيما تُغطّي المبالغ الباقية من متبرعين كرماء من لبنان ودول عربية.

وحوالي 95 بالمئة من نزلاء ومرضى دار العجزة لا يدفعون أي مبالغ مالية لتكاليف العناية بهم فيما تغطى 5 بالمئة فقط من التكاليف بواسطة عائلاتهم. وهذا واقع تواجهه المؤسسة بصعوبة.

أما في مركز مواقدية فالنزلاء يدفعون تكاليف إقامتهم والعناية بهم وتوفير المآكل والترفيه مباشرة نظرا لأن حجم المركز صغير نسبيا بالمقارنة مع دار العجزة، وقد أنشىء حديثا، وهو بدوره بحاجة إلى التبرعات.

كما أن دار العجزة الإسلامية تركز عملها على الطبقة المحتاجة جدا من الناحيتين المادية والعائلية، فيما يتكون معظم نزلاء مركز مواقدية من أبناء الطبقة الوسطى أو ما يوازيها.

وبما أن دار العجزة الإسلامية تقع على مقربة كبيرة من مخيمي صبرا وشاتيلا، فهنالك عدد من نزلائها من الفلسطينيين. والدار وقّعت عقدا مع مؤسسة «الأونروا» الدولية للمساهمة في رعاية هؤلاء.

وتبلغ ميزانية دار العجزة حوالي عشرة ملايين دولار سنويا، 40 بالمئة منها تغطية لتكاليف إدارة وتجهيز المؤسسة، و60 بالمئة تكاليف إضافية تأتي من التبرعات لتحسين وتطوير هذه التجهيزات، التي أصبحت متطورة إلى أقصى الدرجات، وتجاوزت في ذلك الكثير من المؤسسات الصحية في لبنان.

ويساهم الإعلام اللبناني في دعم الدار إعلاميا، خصوصا في فترات الأعياد، ويعطيها مساحات في الصحف وفترات في الإذاعة وفي البث الفضائي التلفزيوني خلال هذه الفترات، فيما يسعى مركز مواقدية إلى الدعم الإعلامي ويتمنى الاستفادة من خبرات دار العجزة في هذا المجال.

وفي الوقت الذي يتعاقد فيه مركز مواقدية مع ثماني ممرضات وأربع عاملات في جزء تجهيز الطعام وعمال لحراسة المبنى، يستخدم دار العجزة 350 ممرضة وممرضا وثلاثين طبيبا، باختصاصات مختلفة، بالإضافة إلى عمال آخرين في مجالات أخرى.

ونزلاء المؤسستين يأتون من كل المناطق والطوائف اللبنانية بالإضافة إلى نسبة قليلة من الفلسطينيين والأجانب في دار العجزة.

وتتعاون مؤسسة دار العجزة تعاونا وثيقا مع جامعة بيروت العربية ومؤسسة المقاصد فيما تتعاون مؤسسة مواقدية مع مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، ويزور أطباء منها النزلاء بشكل متواصل وتتدرب فيها بعض الممرضات من المركز الطبي في الجامعة الأميركية، علما أن مديرة المركز جويس خوري عيد هي ممرضة ومتخصصة في الإدارة، في الوقت عينه.

كما أن المؤسسات الخيرية الإنجيلية في بيروت تدعم مؤسسة مواقدية بقدر ما تستطيع.

وأكد حوري و خوري عيد أن المهم ليس فقط التعاون التقني والطبي بين مؤسسات الرعاية في لبنان، بل الأهم هو التفاعل الإنساني فيما بينها، وخصوصا إذا كانت مدعومة من مجموعات اجتماعية مختلفة، ولكن أبوابها مفتوحة لأبناء جميع الطوائف والإثنيات والمناطق في لبنان، وأيضا لبعض المقيمين فيه، مما يعوّض عن الخلافات السياسية والطائفية المستمرة في البلاد منذ زمن.

13