لبنان الجريح يلملم أشلاءه محصيا خسائره الثقيلة

بيروت المثقلة بالديون في مواجهة فاتورة إعادة إعمار ضخمة.
السبت 2020/08/08
أين الدولة

لم يستفق لبنان بعد من هول التفجير الضخم الذي ضرب الثلاثاء مرفأه، المرفق الحيوي الذي تعتمد عليه البلاد لاستيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها الأساسية، وسط صدمة وحزن كبيرين يجتاحان الشارع اللبناني الذي نفد صبره على سياسات الدولة الفاشلة، محملا الطبقة الحاكمة مسؤولية الانفجار والأزمات التي تحاصر البلد من كل ناحية وصوب.

بيروت - بدأ سكان بيروت، الجمعة، لملمة أشلاء حياتهم التي تمزقت بفعل أكبر انفجار في تاريخ العاصمة اللبنانية.. ذلك الذي حطم المدينة وأودى بحياة 154 شخصا على الأقل وترك الأمة المثقلة بالديون في مواجهة فاتورة إعادة إعمار ضخمة.

وتصاعدت وتيرة جهود البحث عن المفقودين منذ الانفجار يوم الثلاثاء، ونقب رجال الإنقاذ وسط الأنقاض في سباق محموم مع الزمن للعثور على أي إنسان لا يزال على قيد الحياة بعد أن دمر الانفجار مساحات شاسعة من المدينة وأرسل موجات صدمة في أنحاء المنطقة.

وأطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع على حشد غاضب في ساعة متأخرة من مساء الخميس مع احتدام مشاعر السخط إزاء الحكومة وتجاه نخبة سياسية تقود أمة كانت تواجه شبح الانهيار الاقتصادي حتى قبل وقوع انفجار المرفأ الذي أسفر عن 5000 جريح.

كان بعض أفراد الحشد الصغير يرمون الحجارة وكان التجمع مؤشرا على عودة الاحتجاجات التي أصبحت سمة من سمات الحياة في بيروت، بعدما وقف اللبنانيون شهودا على انهيار عملتهم وتبخر مدخراتهم، فيما تمر عملية صنع القرار الحكومي بمخاض عسير.

وقال طوني عبده الذي يبلغ عمره 60 سنة ولا يعمل “لا سبيل لإعادة بناء هذا البيت. أين الدولة؟”، قالها وهو جالس في منزل العائلة بمنطقة الجميزة التي تبعد بضع مئات من الأمتار عن مستودعات المرفأ التي ظلت تختزن مواد شديدة الانفجار لسنوات كأنها قنبلة موقوتة في جوار منطقة مكتظة بالسكان.

وبينما كان ينطق بهذه الكلمات، سقطت غلاية مياه صغيرة ونفذت عبر سقف منزله المتصدع، فيما خرج متطوعون من الحي إلى الشارع لإزاحة الأنقاض.

وقال نسيم أبيض وهو سائق سيارة أجرة عمره 60 عاما تحطمت عربته تحت ركام متساقط من إحدى البنايات بينما كان يهم بركوبها “هل لدينا حكومة حقا؟”. وأضاف “لم تعد لدي وسيلة أعتاش منها”.

ووعدت الحكومة بإجراء تحقيق شامل وفرضت الإقامة الجبرية على الكثير من موظفي الميناء. وقالت الوكالة الوطنية للإعلام إن السلطات اللبنانية أوقفت 16 شخصا في إطار التحقيقات.

موجات صدمة

مروان عبود: الانفجار تسبب في تشريد 300 ألف شخص من سكان العاصمة
مروان عبود: الانفجار تسبب في تشريد 300 ألف شخص من سكان العاصمة

يشكل الانفجار بالنسبة إلى الكثير من اللبنانيين عرضا من أعراض سنوات من الإهمال ترعرع فيها الفساد الحكومي.

وقال المسؤولون إن الانفجار الذي أحدث تأثيرات سيزمية امتدت لمئات الأميال تسبب في خسائر قد تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار، وهي فاتورة تخور أمامها قوى دولة تخلفت بالفعل عن سداد ديونها الوطنية التي تتجاوز قيمتها 150 في المئة من الناتج الاقتصادي، في الوقت الذي توقفت فيه المحادثات لمد شريان حياة من صندوق النقد الدولي.

ولحقت أضرار جسيمة بعدد كبير من المستشفيات بفعل موجات الصدمة التي دمرت النوافذ وهدمت الأسقف، في الوقت الذي وجدت فيه نفسها في مواجهة ما لا طاقة لها به أمام أعداد الضحايا. وكان الكثير منها يجد بالفعل صعوبات في تدبير ما يكفي من العملات الأجنبية لشراء ما يلزمه من إمدادات قبل الانفجار.

وفي منطقة الميناء، وضعت فرق الإنقاذ المصابيح للعمل طوال الليل في جهد محموم للعثور على من لا يزالون في قوائم المفقودين، بينما تنتظر العائلات بلهفة ويتلاشى الأمل ببطء في رؤية الأحبة مرة أخرى. وقذفت القوة التفجيرية ببعض الضحايا في البحر.

كانت إحدى الأمهات تبكي في اتصال ببرنامج تلفزيوني في وقت الذروة مساء الخميس وتتوسل للسلطات أن تعثر على ابنها. وعُثر عليه -ميتا- بعد ساعات.

وقال الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني جورج كتانة لإذاعة “صوت كل لبنان” إنه تم العثور على ثلاث جثث أخرى في أعمال البحث والتنقيب، فيما قال وزير الصحة الجمعة إن عدد القتلى زاد إلى 154. وما زال العشرات في عداد المفقودين حتى الآن.

وعرض شربل عبريني، الذي كان يدرب موظفي المرفأ، صورا على هاتفه لزملاء راحوا في الانفجار. كان عبريني يجلس في كنيسة عندما طار رأس تمثال السيدة مريم العذراء على وقع الانفجار.

وقال الرجل البالغ من العمر 62 عاما والذي دمر الانفجار منزله “أعرف 30 موظفا في الميناء لقوا حتفهم، اثنان منهم من أصدقائي المقربين وثالث مفقود”.

وقال الرجل الذي كانت على ذقنه ضمادة “ما من مكان لي أذهب إليه سوى أسرة زوجتي… كيف يمكن البقاء هنا والاقتصاد صفر؟”. وانهالت على البلاد على الفور عروض المساعدات الطبية والغذائية من دول عربية وغربية وغيرها. لكن لا شيء حتى الآن لعلاج التحديات الأكبر التي تواجهها دولة مفلسة.

وجاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المدينة الخميس بشحنة مساعدات، ووعد باستعراض بعض “حقائق الداخل” مع الحكومة التي قال إن عليها استئصال شأفة الفساد وتنفيذ إصلاحات اقتصادية.

واستقبله في الشارع عدد كبير من اللبنانيين الذين طلبوا المساعدة في ضمان تغيير “النظام”، كي تتمكن مجموعة جديدة من الساسة من إعادة بناء بيروت ووضع البلاد على مسار جديد.

دمار كبير

Thumbnail

لا تزال بيروت تحمل ندوب القصف العنيف في الحرب الأهلية التي دارت رحاها من عام 1975 إلى عام 1990. وبعد الانفجار أصبحت أجزاء منها تبدو مرة أخرى كأنها منطقة حرب.

في موقع الانفجار، يخرق صوت الجرافات الهدوء وسط الدمار الكبير. هياكل سيارات وحاويات في كل ناحية وصوب، وأكوام ركام وحديد وبضائع مبعثرة.

وتسبّب الانفجار في تشريد نحو 300 ألف شخص من سكان العاصمة ممن تصدّعت منازلهم أو تضررت بشدة، وفق محافظ بيروت مروان عبود.

وقدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن نحو مئة ألف طفل باتوا مشردين. وأوضحت “من المحتمل أن يكون من بين الضحايا أطفال وأولئك الذين نجوا يعانون من الصدمة النفسية”.

ويخيم الحزن على شوارع بيروت. ولا يتمكن الكثيرون من حبس دموعهم من شدّة التأثر والحزن أثناء تجولهم أو قيادة سياراتهم. على شاشات التلفزة المحلية، تتحدث أمهات وزوجات وأصدقاء مفجوعون عن خسارة أحبائهم.

فبينما كان اللبنانيون يتابعون بعجز انهيار الاقتصاد في بلدهم ويعيشون تبعات الوضع الصعب الذي فاقمه وباء كوفيد – 19، أتى الانفجار ليشكل أكبر كوارث اللبنانيين.

وألقى اللبنانيون بمسؤولية الانفجار إلى السلطة الحاكمة التي انتفضوا ضدها قبل أشهر مطالبين برحيلها. واندلعت ليلاً مواجهات محدودة بين عشرات الشبان الغاضبين والقوى الأمنية وسط بيروت.

7