لبنان: الحوار جسرا للعبور إلى التفجير

الخميس 2015/09/03

دعا رئيس المجلس النيابي اللبناني، نبيه بري، القوى السياسية للحوار، وحدد تاريخ التاسع من أيلول الجاري موعدا لانطلاق أولى جلساته. بنود الحوار تتضمن سبع نقاط هي؛ البحث في موضوع رئاسة الجمهورية، والبحث في آلية عمل المجلس النيابي، والبحث في آلية عمل مجلس الوزراء، وإيجاد صيغة لقانون انتخابات جدية، ومناقشة قانون استعادة الجنسية، البحث في مشروع اللامركزية الإدارية، وموضوع دعم الجيش اللبناني.

تلقفت القوى السياسية دعوة بري للحوار، والتي ستقتصر على رؤساء الكتل النيابية، كغريق يتمسك بقشة. اتخذت هذه الدعوة شكل مبادرة إنقاذية في ظل حراك الشارع المتصاعد، والذي كان قد أعطى الحكومة مهلة 72 ساعة لتنفيذ مجموعة من المطالب تحت طائلة التصعيد. انتهت المهلة بعد ظهر الثلاثاء وباشر الحراك الشعبي بتنفيذ تصعيده حيث احتلت مجموعات شبابية مركز وزارة البيئة في محاولة لدفع الوزير إلى الاستقالة.

قرأ البعض مبادرة بري بوصفها تتماهى مع أجواء التسويات الكبرى في المنطقة وتبني عليها، خصوصا بعد وردود أخبار تفيد بقرب انطلاق ورشة حوار سعودية إيرانية في مسقط.

اعتقد البعض الآخر أن مشروع بري للحوار يستجيب لتداعيات الاتفاق النووي الإيراني، والذي كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد دافع عنه أمام منتقديه، بالتركيز على فكرة مفادها أنه سيشكل مدخلاً للحل في كل المنطقة وفي سوريا بشكل خاص.

لا يغيب الشأن الداخلي عن أسباب توقيت الحوار المتزامنة مع حراك شعبي يتناول بالإدانة كل الطبقة السياسية، ويحملها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. عجز السلطات السياسية والحزبية عن مصادرته والقضاء عليه قد يكون واحدا من أسباب إطلاق الحوار.

يريد بري من هذا الحوار أن يكون بديلاً ليس عن الحكومة فحسب، ولكن عن السياسة ككل في البلاد، وأن يضبط إيقاع الأزمات الكبرى على ساعة الحوار التي أثبتت التجارب السابقة أنها معطلة وواقفة ومشلولة. يريد أن يكون الشلل العام الذي وقعت فيه الحكومة صيغة عامة تسيطر على كامل الحياة السياسية وتطبعها بطابعها، وأن يهب هذا الشلل شكل الحيوية والنشاط في مواجهة مطالب الشارع.

الحوار لا يؤجل الحلول ولكنه يجمدها، وهذا بالضبط ما تحتاجه كل القوى السياسية، وخاصة تلك التي تملك القدرة على التعطيل.

يأتي هذا الحوار في اللحظة التي يعيش فيها حزب الله كابوس تركه لمصيره من قبل إيران. نجاح فرع المعلومات اللبناني في القبض على أحمد المغسل أحد أبرز المطلوبين من السعودية، والمتهم بتنفيذ تفجيرات الخبر التي تسببت بمقتل أكثر من 19 أميركيا، كان بالنسبة للحزب مؤشراً مرعبا على نية إيرانية ببيع أميركا كل المطلوبين في جرائم إرهابية أودت بحياة أميركيين.

يعلم الحزب أن جل قياداته التي تقود المعارك في سوريا ينطبق عليها هذا التوصيف، ويعيش هاجس وجود بنود غير معلنة في الاتفاق النووي، تقضي بأن يكون رأس هذه القيادات من ضمن الصفقة.

يضاف إلى كل ذلك أن مسار الأمور عسكريا في سوريا يتخذ مسارا مغايرا لطموحات الحزب، لدرجة أن دوره تقلص إلى حدود لم يعد فيها طرفاً في مواجهة المعارضة السورية، بل تقلص حجمه إلى حدود الفصيل الصغير الذي يتلقى تعليماته وأوامره من القيادة الإيرانية. عدم تمكينه من التفاوض في الزبداني يؤكد تقلص دوره ووظيفته، ويشي أن إيران لن تسمح لأي شيء أن يقف في وجه مصالحها وصفقتها الكبرى مع الشيطان الأكبر الذي صار أخا أكبر بقدرة قادر.

عودة حزب الله إلى لبنان مهزوما من سوريا تفترض أن لبنان سيكون ساحة أخيرة له، ما يعني أن لا بديل له عن التأزيم. هكذا لا يمكن أن نقرأ في الحوار سوى مقدمة لبلورة مطالب مستحيلة من قبل الحزب لا يمكن القبول بها، وتشكل مدخلا وحجة يعتمدها قبل الركون إلى خيار تفجير الأوضاع.

حزب الله يعلم أن توسع مدى الحركة الشعبية من شأنه، أن يضع الحزب العائد من سوريا أمام استحقاق المسؤولية الكبرى عن الفساد

مؤشرات هذا التفجير المتوقع تكمن في ما يحدث في عين الحلوة، حيث كشفت المعارك الأخيرة عن وجود أسلحة متطورة في يد القوى الإسلامية لم تكن تملكها من قبل، ما يطرح سؤالا خطيراً حول الجهة التي أوصلت هذه الأسلحة لها. مصدر فلسطيني بارز اعتبر أن اللافتة الإسلامية المرفوعة ليست سوى غطاء لقوى أمنية محلية وإقليمية، وأكّد أن تفجير الوضع في عين الحلوة يرتبط بالتطورات العسكرية في سوريا، وخصوصا ما يجري في محيط العاصمة دمشق.

موقف حزب الله المتحايل من الحراك الشعبي، الذي أعلن عنه رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، رحب شكلاً بالحراك، ولكنه ألقى في وجهه جملة تساؤلات مسمومة من قبيل عدم رفعهم الصوت ضد التكفيريين والإرهابيين والصهاينة. أتبع تساؤلاته المسمومة بالغمز من قناة قيادة الحراك والراية التي يرفعها.

كان من اللافت أن كلام رعد تزامن مع تصريحات لوزير الداخلية نهاد المشنوق، يعلن فيها أن هناك دولة عربية صغيرة تقوم بدور فعال في التمويل والتحريض على التظاهر.

لا يخفى على أحد أن الدولة المقصودة هي قطر التي يتهمها الحزب بدعم التكفيريين والإرهابيين. هكذا يكون الوزير نهاد المشنوق قد أعطى حزب الله، من حيث يدري أو لا يدري، الحجة لضم الحراك الشعبي إلى قائمته التخوينية، ما يستتبع أنه سيسعى حكماً إلى إفشاله وقمعه. يعلم الحزب أن توسع مدى الحركة الشعبية من شأنه في مستقبل قد لا يكون بعيداً جداً أن يضع حزب الله العائد من سوريا أمام استحقاق المسؤولية الكبرى عن الفساد، ما من شأنه أن يسحب من رصيده الطائفي الشيعي قدرا كبيرا من التأييد، وخصوصا بعد أن اتضح أن جل المشاركين في تظاهرة السبت كانوا من المسيحيين والشيعة.

يلعب الحزب لعبة الحوار ليس من أجل تأجيل التفجير بل يستخدمه كجسر للعبور إليه في ظل عجزه التام عن ممارسة السياسة التي لا يمكن لأي حوار فعلي أن يقوم إلا على أساسها.

كاتب لبناني

8