لبنان: الخروج من الثلاثية

الجمعة 2014/02/21

تُفرج المقالاتُ المنشورة في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، والتي ينتمي أصحابها إلى بيئة “المقاومة” في لبنان، عن امتعاضٍ من التشكيلة الحكومية الجديدة. في ما كتبَ تخوينٌ لوزراء وازدراء من سيطرة “أسياد داعش” على مفاصل الحكومة ومفاعيلها.

وسواء كان ذلك الغضبُ جديّاً يعبّر عن مزاج جمهور الحزب، أم هو موحى به يُراد منه إيحاء الحزب لخصومه بحجم التضحيات التي بذلها لعدم عرقلة التأليف (أمر كرره نصر الله في خطابه الأخير)، فإن ذلك يعكسُ شعوراً حقيقيا أن أمورَ الحكم في لبنان لم تعد طيّعة في يد الحزب، بل بالعكس، صار الحزب مضطراً للتأقلم مع شروط الآخرين، وأنه قد ولّى زمنُ فرضِ الشروط وإملائِها.

تُفرجُ تشكيلة حكومة تمَام سلام أيضا عن تضعضعٍ ملحوظ داخلَ صفوف تحالف الثامن من آذار. تعكسُ هذه الحقيقة تصريحات ناقدة متبرّمة من داخل ذلك التحالف، كما ترصدُها سلسلةُ ما وشت به وسائل التواصل الاجتماعي من ضيق وُضِعَ ضمن خانة “النقد البناء” لأداء المقاومة. وفيما بقيت صدمة تشكيل الحكومة، وفق مفاجأة سعد الحريري التعايشية مع حزب الله، محصورة التداعيات داخل صفوف تحالف 14 آذار (إلا من امتعاض قُوّاتي ستُظهر الأيام آفاقه)، فإن حراك مداولات ما قبل وما بعد التشكيل أصابت التحالف الذي يقودُه السيّد حسن نصر الله بتصدّعات قد تبرزُ أكثر فأكثر كلما اقترب استحقاق الانتخابات الرئاسية.

وقد كان لافتاً أن الاعتراض عالي النبرة الذي عبّر عنه جميل السيّد ووئام وهاب القريبان جداً من دمشق قد يعكس امتعاض النظام السوري ليس من الحكومة الجديدة، بل من قبول حزب الله بشروطها أيضا.

ولا يخاطرُ المراقب في استشراف حجم التحوّل الذي أحدثته اتصالات ميشال عون بسعد الحريري، ومدى دقة الأنباء التي تحدّثت عن أن إيجابية الاتصالات التي قيل أنها هي التي أنقذت التشكيل في ساعاته الأخيرة. على أن هذا التواصل يُعدّ اختراقاً مفصلياً داخل صفوف تحالف حزب الله، دون أن يسجّل مثيله داخل صفوف تحالف المستقبل.

وإذا ما كان بعض المتشائمين يعتبرون أن الانفراج بين الحريريّة والعونيّة ظرفيٌّ مؤقت، فإنه لاشك أن الاستحقاق الرئاسي العزيز على قلب “الجنرال” سيحيل الوصل بين الطرفين ضرورة، وربما شرطاً جذريّاً من شروط احتمالات عون “الاسترئاسية”. ومع ذلك ينبغي الانتباه إلى أعراض الحرج الذي يشعرُ به الطرفان، والذي برز في الغموض الذي أحاط باللقاء الذي جمع زعيمي التيارين في باريس.

ورغم تلك الأعراض، فمن حقّ حزب الله أن يقلقَ من ابتعاد موضوعي لحليفه في الرابية عن أعمدة “التفاهم”، لاسيما أن الرجل وتياره عبّرا عن تحفّظهما عن مشاركة الحزب في الحرب في سوريا، كما عن تأييدهما لوثيقة بكركي البعيدة عن أجواء الحزب ومحيطه. ثم إن ميشال عون الذي سوّق طويلاً لفكرة الرئيس المسيحي القوي للتعايش مع الرئيسين السني والشيعي القويين، بات مقتنعاً أن الطريق إلى بعبدا الذي، لاشك، يحتاج إلى ضوء الحزب الأخضر، غير سالك دون موافقة تيار المستقبل وزعيمه، ليس فقط لما يمثّله داخل الطائفة السنيّة في لبنان، بل لما يمثّله أيضا من امتدادات داخل الدائرتين الإقليميّة والدوليّة (زيارة الحريري إلى القاهرة أحد تجلياتها).

يُطلّ الجنين الحكومي الجديد، بتركيبة عجائبية، في الهيكل والشخوص وهوية المتآلفين، ليجابه معضلات قياسية، ربما لم تشهدها الحرب الأهلية. تسرّب النزاع السوري بقوة إلى المتن اللبناني بعد أن هجرَ هامشه. بات اللبنانيون يعيشون رعب وهاجس الانتحاريين، وهم الذين تعايشوا مع ويلات احترابهم الداخلي خلال خمسة عشر عاماً.

وصل الخطاب المذهبي إلى سابقة جعلت البلد في قلب تلك الفتنة. هجر العرب لبنان سياحة واستثماراً، ويكاد العالم أجمع يبعدُ عن البلد موحياً بسحب الغطاء الدولي الضامن. يعود البلد ميدانا رحبا تتقاطعُ داخله رسائل المتنازعين بين غرب وشرق، بين نفوذ أميركي مرتبك وآخر روسي متقدم، بين توتر إيراني ينشدُ تسوية ومحافظة سعودية تفاجئها المقاربات الدولية الإقليمية الطارئة. لم يتحمل لبنان ميدانية دوره، وراح من خلال تفاصيل التأليف يتحرى المخارج البيتيّة.

سيلاحظُ المراقب بسهولة أن ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة خارجة، في الشكل والمضمون، عن سياق المرحلة السابقة، وأن حدث الولادة، ضمن شروط المداورة وانتهاء تقليعة “الثلث الضامن”، يؤسس لسياق مرحلة جديدة. وإذا ما كانت أعراض الامتثال لشروط تلك المرحلة العتيدة قابلة للنقاش، فإن البيان الوزاري المنتظر، سيثبّت بالنصّ أصول هذا التحوّل وقواعده (مع التساؤل عما إذا كان الوزير الشيعي من حصة الرئيس سليمان عبد المطلب الحناوي وديعة كامنة).

بين سيادة لبنان العزيزة على قلب جمهور، وحماية المقاومة العزيزة على قلب جمهور مقابل، ستستسلمُ الأطراف الحكومية لديباجة لا تُفني الغنم ولا تقتل الناطور. سيستعينُ الفقهاء الدستوريون باللغة العربية وآدابها لإنتاج نصّ تحوّلي يخلّص البلد من ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة دون حدّةٍ في مخارج الحروف (قيل أن لرئيس البرلمان نبيه بري تخريجة لذلك). سيستعينُ المشرّعون بـ”إعلان بعبدا” المُجمَع عليه، نظريا،ً من كافة الأطراف للنأي بالنفس عن الأزمة السورية، وتحييد لبنان، والتأكيد على حصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية. فربما في ذلك ما يساعد حزب الله على النزول عن الشجرة السورية التي بالغ في تسلَقها.

في اليوم التالي لخروج مراسيم التأليف، خرج أمين عام ومسؤولو الحزب ووزراؤه بتصريحات متشابهة مقصودة (واضح أنها مطلوبة)، للتأكيد على جهود الحزب في تسهيل التشكيل وعدم العرقلة. يظهرُ الحزب وكأنه حريصٌ على تقديم شهادة حسن سلوك.

في ذلك أيضا سعي لإعادة سوق جمهور الحزب نحو فكرة الدولة والحكومة والمشاركة. في ذلك أيضا اعتراف بالمشاركة مع الآخرين، حتى لو كان الآخرون خصوماً لطالما وضعتهم أدبيات الحزب في خانة العملاء والمرتبطين و”أسياد داعش”. ويجدرُ هنا تأمل الزيارة التي قام بها وفيق صفا، رئيس جهاز أمن حزب الله، لوزير العدل الجديد أشرف ريفي واتصاله من منزل ريفي بوزير الداخلية نهاد المشنوق.

في حكاية حكومة تمام سلام أذعن حزبُ الله لقواعدَ تجهضُ فكرة “التعطيل” التي كانت محوريّة في خيارات الحزب الحكومية. ذهب الحزب إلى التنازل عن الوزارات الأمنية (الداخلية والعدل والاتصالات) لقوى 14 آذار، علَّها تتولى مجابهة الإرهاب الذي اجتاح لبنان (وآخرها من جرى في منطقة بئر حسن).

بقي أن يدفعَ السياق الحكومي المُنجز إلى إحداث انقلاب في سلوكيات الحزب، بحيث تندثرُ فكرة الاستقواء بالسلاح، سواء في زواريب لبنان أو في دروب سوريا.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8