لبنان: العسكريون أيضا وقود في مطحنة النظام

الأربعاء 2014/10/29

ها قد عاد الوضع الأمني في طرابلس إلى الانفجار. لكن الأمن لم يستتب بشكل كامل في هذه المدينة رغم الخطة الأمنية التي نُفِّذتْ على مدى الشهور الأخيرة، إذْ أنّ أجواءَها لم تفتقد يوما أصوات الانفجارات وزخّات الرصاص.

كان واضحا منذ اللحظة التي أعلنت فيها الحكومة اللبنانية عن خطتها الأمنية، أنّها لن تُقدم الحلَّ النهائي لاضطراب الأمن لا في طرابلس ولا في باقي البلاد. وكنّا لَفتْنا في أكثر من مقال إلى أنّ نظام سيطرة الائتلاف المافيوي الغاصب للسلطة بات يعتمد بشكل أساسي، إلى جانب التبعية لمراكز الهيمنة الإقليمية والدولية، وإلى جانب الفساد المتغوِّل في كل المرافق، يعتمد على سياسة عدم الاستقرار الأمني والتوتير المتنقل من منطقة إلى أخرى، ومن صيدا إلى طرابلس فعكار. لذلك جاء تنفيذ الخطة الأمنية بعد الإعلان عنها بأسبوع تقريبا، لتتيح لأصحاب الرؤوس الكبيرة من قادة المحاور والمسلحين أن يتواروا مرحليا، بانتظار المهمة التالية بحسب ما تقتضيه مصالح هذا الائتلاف المافيوي أو مراكز الهيمنة التي يتبعُها فرقاؤه. إذ لا يمكن أنْ يتوقع عاقل أن تكون عصاباتٌ مافيوية مسيطرة يحرِّكُها حرصٌ من أيِّ نوْع على المواطنين وأرزاقهم أو على الوطن ومصالحه وأمْنِه.

إنّ توقع إنهاء “الوضع الشاذ” في مدينة طرابلس من خلال خطة أمنية أعدتها حكومة مُكوّنة من مندوبي عصابات مافيوية تغتصب السلطة مراراً وتكراراً، وبالطرق والأشكال التي تناسبها بما في ذلك تمديد ولاية مندوبيها إلى البرلمان، دون أيِّ اعتبار لوجود ما يُسمّى بالهيئات الناخبة التي هي بحسب الدستور، مصدرُ كلِّ شرعية، هو غباء يراد للمواطنين الغرق فيه بمن فيهم العسكريون ورجال الأمن الذين لا يمثلون بالنسبة إلى تلك المافيات إلا وقودا في محرقة إنتاج وإعادة إنتاج نظام سيطرتها.

وإذا كان حزب الله يمثل أكثر مافيات السلطة في لبنان تنظيما وأقواها حضورا وإمساكا بمفاصل السلطة والأمن والقرار، إلا أنه لن يتمكن من استخدام شباب الشيعة وقودا لمعاركه الداخلية أو الخارجية ما لم تكن هناك فزّاعة مذهبية مقابلة تُستَخدم للتخويف والتحريض والتحشيد. من هنا فإن ما تشهده الساحة اللبنانية من مسلسلة الصراع مع “الإرهاب السنّي” التي تنتقل حلقاتُها من منطقة إلى أخرى ومن وقت إلى آخر، لم تشهد في أي من حلقاتِها إلقاءَ القبض على أبرز قادتها ولو في مرة واحدة، منذ أحداث الضنّية، مرورا بنهر البارد، ومعركة الشيخ الأسير في منطقة صيدا، وصولا إلى أحداث طرابلس، بل كان غبارُ تلـك المعارك ينجلي عن اختفاء قادتها الأساسيين.

صحيح أن لهؤلاء الإرهابيين طموحاتهم ومشاريعهم السلطوية المستحيلة، ولكنّ استغلالَ وجودهم من قبل من يمارس السلطة والهيمنة فعلا لن ينتظر منهم إذنا، وتوظيفَ حضورهم كإرهابيين يأتي كتحصيل حاصل. ومن يُقِمْ نظامَ سيطرته على سياسة التوتير الأمني يجدْ في مثل هذه العصابات هدية من السماء!

وإذا كان تنفيذ الخطة الأمنية الأخيرة في طرابلس قد جاء بعد أيام على إعلانها، بحيث أتاح لقادة المحاور أن يتواروا وكذلك أتاح نقل العتاد والسـلاح إلى مخـابئ جديدة، فإنها لم تمنع، في البقاع مثـلا، عمليـات السطو والخطف والقتل المتكررة والمتنقلة والتي استمرت حتى في ظل المعركة التي فُتحت بين مسلحي جبهة النصرة وداعش وبين الجيش اللبناني في عرسال، وفي ظل التشدّد الأمني الذي مارسه الجيش اللبناني والقوى الأمنية في منطقة البقاع نفسِها.

لقد بات العسكريون اليوم وقودا لمطحنة نظام سيطرة المافيات التابعة، وأصبحوا شركاءَ في المعاناة مع أهلهم من المواطنين الذين تسحقهم تلك المطحنة. فهل يُغيّر ارتفاعُ عدد شهداء الجيش في مواجهات الشمال ومصيرُ العسكريين المختطفين من الجماعات الإرهابية في عرسال، والذي تتسبب به نفس السياسات، من واقع الحال، ومتى يرتدّ الرحى على الطحان؟


كاتب لبناني

9