لبنان المظلوم.. وجنيف 2 السوري

الاثنين 2014/02/03

كان مؤتمر جنيف-2، المخصص لسوريا وأزمتها العميقة والذي افتتح في مونترو، مفيدا في كشف جانب من الظلم الذي يتعرّض له لبنان. تبيّن في ضوء الجلسة الافتتاحية للمؤتمر أن هناك نموذجا للمسؤول اللبناني بات مطلوبا تعميمه ليشمل كلّ الوطن الصغير.

هذا ما كشفته الكلمة التي ألقاها في مونترو في بداية المؤتمر وزير الخارجية في الحكومة اللبنانية المستقيلة. ما حصل في مونترو يتجاوز شخص الرجل، أي وزير الخارجية، والفريق الذي ينتمي إليه. لم يفاجئ الوزير في الحكومة المستقيلة أحدا. فالرجل الذي جيء به أصلا إلى موقع وزير الخارجية في الحكومة التي شكّلها “حزب الله” برئاسة نجيب ميقاتي، إنما يمثّل نوعا معيّنا من موظفي الإدارة اللبنانية. يتميّز هؤلاء بأن ولاءهم الأوّل للنظام الإيراني والسوري وليس للبنان.

في ضوء مثل هذه المعطيات، كان طبيعيا، بل أكثر من طبيعي، سعي الوزير “اللبناني”، وهو لبناني بالاسم فقط، إلى تبرير مشاركة “حزب الله” في الحرب التي يشنّها نظام على شعبه متذرّعا بأنه “مقاومة”. ما هذه المقاومة التي تشارك في ذبح الشعب السوري من جهة، وتوجيه سلاحها غير الشرعي إلى صدور المواطنين العزّل من جهة أخرى؟

فعل الوزير “اللبناني” ما فعله من منطلق مذهبي بحت. كان كافيا قبل أشهر قليلة أن يأمر “المرشد” في إيران “حزب الله” بإرسال عناصر مسلّحة إلى الأراضي السورية والمشاركة في قتل الشعب السوري، حتّى يتحقّق ذلك بأسرع من البرق.

كان “حزب الله” متورّطا منذ البداية في قمع الثورة السورية التي اندلعت قبل نحو ثلاث سنوات. لكنّ تورطه زاد بعد انكشاف النظام السوري على حقيقته أمام الثوّار السوريين. تبيّن أن لا شيء ينقذ هذا النظام، مؤقتا، إلا الاستعانة بقوى خارجية جاءت من لبنان والعراق وإيران نفسها.

ما ذكره وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف عن أن “حزب الله” أرسل عناصر الميليشيا التي يمتلكها إلى سوريا من دون طلب إيراني ليس صحيحا. لم يتحرّك الحزب الإيراني، ذو العناصر اللبنانية، إلا بناء على طلب إيراني جاء من “المرشد” تحديدا.

ما دخل لبنان في كلّ ذلك؟ أين مصلحة لبنان في تبرير مشاركة عناصر مسلّحة تنتمي إلى ميليشيا مذهبية تتلقى أوامرها من خارجه في ذبح السوريين؟ أين مصلحة لبنان في انطلاق هذه العناصر من أراضيه في اتجاه الأراضي السورية؟ أين مصلحة لبنان في المعادلة الجديدة التي تسعى إيران إلى فرضها على الدول العربية الواحدة تلو الأخرى بقصد تعميمها على كلّ المنطقة؟

فحوى هذه المعادلة أن لا قيمة للحدود المعترف بها لهذه الدولة العربية أو تلك. المهمّ والأساس هما الانتماء المذهبي. والأهمّ من ذلك كلّه الولاء للنظام في إيران وهو يعلو على الانتماء الوطني، أكان ذلك في العراق أو لبنان.

لا يمكن لوم الوزير على الطريقة التي تصرّف بها في مؤتمر جنيف-2. فهذا الوزير أصلا من أجل هذا النوع من المهمّات، هو الذي أمضى فترة طويلة من حياته دبلوماسيا لبنانيا في طهران التي عاد منها صوتا لطهران في بيروت لا أكثر ولا أقلّ.

ما فعله الوزير لا قيمة له بالنسبة إلى المجتمع الدولي الذي يبدو مصمّما على استخدام النظام في عملية مكشوفة تصبّ في تدمير الكيان السوري. لا يتكّل المجتمع الدولي على النظام وحده لإتمام هذه العملية، بل يستعين بإيران نفسها وبأدواتها اللبنانية والعراقية، وبروسيا من أجل التخلّص من سوريا التي عرفناها والتي يعرف الطفل الصغير أنّه لم يعد لها وجود.

يبقى أن ثمّة جانبا مثيرا للانتباه في سلوك الوزير. يكشف هذا الجانب حجم الأخطار المحدقة بلبنان والظلم اللاحق به. فهذا الوزير لم يعد حالة معزولة. هناك محاولة لتعميم سلوك الرجل على أكثر من وزارة وموقع مهمّ في مؤسسات الدولة اللبنانية. صار مطلوبا بكلّ بساطة أن يكون كلّ وزراء لبنان على شاكلة وزير الخارجية في الحكومة المستقيلة أو على شاكلة وزيري الطاقة والاتصالات اللذين ينتميان إلى تيّار مسيحي لا طموح لديه سوى أن يكون أداة سورية وإيرانية متى تدعو الحاجة إلى ذلك. وهذا يعني وجود إصرار إيراني على بقاء الاتصالات والطاقة في يد وزيرين مسيحيين بالاسم، في حين أنّهما تحت السيطرة الفعلية لـ”حزب الله” بكلّ ما يمثّله على الصعيد الإقليمي.

أكثر من ذلك، صار مطلوبا أن تكون كلّ المؤسسات اللبنانية كلّها تابعة لإيران، على غرار ما هو حاصل على صعيد الجامعة اللبنانية. هذه الجامعة، التي يفترض أن تكون لكلّ لبنان ولكلّ اللبنانيين، أصرّ “حزب الله” على جعلها في عهدة شخص أظهر له كلّ الولاء.. متى دعت الحاجة إلى ذلك.

نعم، المسألة ليست مسألة وزير من هنا، وآخر من هناك. المسألة تشير إلى حجم التحدي الذي يواجه لبنان ككلّ. هل ينجح الوطن الصغير في الخروج من النفق المظلم الذي يقوده إليه “حزب الله” الذي ليس- في نهاية المطاف- سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني؟

ذلك هو السؤال الكبير الذي يشكّل التحدي الأكبر أمام كلّ لبناني يرفض أن يكون بلده تابعا لإيران ولغير إيران التي استطاعت حتى الآن تنفيذ أجزاء أساسية من مشروعها. من بين ما نجحت فيه تأكيدها أن لا حكومة لبنانية من دون ضوء أخضر من طهران. كذلك، لا مواطن عربيا، خصوصا إذا كان خليجيا، يستطيع زيارة البلد عن طريق مطار بيروت دون إذن إيراني. أوليس ما يتعرّض له لبنان واللبنانيون الظلم بعينه؟ أوليس ذلك نتيجة طبيعية لتشكيل حكومة من لون واحد وضعت نفسها في خدمة المشروع الإيراني، على حساب لبنان أوّلا… وأخيرا.

إعلامي لبناني

8