لبنان الناقص من وجهة نظر شعبه

السبت 2014/09/13

في الطريق من مطـار رفيـق الحريـري إلى الحمرا، وسط بيـروت، حدثني سـائق التاكسي عن السنيورة كما لو أنه كـان من الطبيعي أن أعـرفه.

كان يشير إلى بنايـات تقع على الجانـب الأيمن مـن الطريـق وهو يقول باعتـزاز “كلها للسنيورة”، لم أسألْه مَـن هو السنيورة؟ ضمنا فهم السائق أنني أتواطأ معه فغيّر الحديث. أخبرني أنهم قتلوا جنديا آخر في عرسال.

هذا يعني أن المعادلة صارت واضحة. قال “كلما قتلوا جنديا علينا أن نقتل عشرة من السجناء من أتباعهـم في روميا”، انـزلقت على لساني جملة استنكارية “ولكنهم أسرى” لم أقلها لأن السائق كان ينتظرها لكي يكون النقاش حاميا. في الختام قلت له “كلنـا داعش” لم يفهم جملتي. كانت غامضة.

فيما كنت أقف في الشارع في انتظار ما طلبته من مطعم بربر، علا صوت سيدة في المكان الذي تباع فيه الشاورما. خلال لحظات تجمع حشد هائل من البشر وكانت السيدة تلقي خطابا مرتجلا عن داعش، اتهمت فيه اللبنانيين بمختلف طوائفهم بأنهم يمهدون لقدوم داعش من خلال سكوتهم على ما انتهت إليه البلد من غلاء كان الفقر نتاجه.

قال لي الصراف بعد أن سألته عن سعر الكرونة السويدية “أنتم مرتاحون في السويد. لا عون لديكم ولا جعجع”. لن يلتفت إلي لو أنني سألته “مَن هما؟”

حين تقف أمام تمثال رفيق الحريري عليك ألا تسأل “مَن يكـون الرجـل الـذي يمثلـه ذلـك التمـثال؟” عليـك أن تتقـبل المشهـد بصريا وتصمت لئـلا تقـع فـي منطقة سوء الفهم. في منطقـة أخرى عليك أن تقبل بصور حسن نصـراللـه باعتبـاره منقـذا.

يفترض اللبنـاني أنـك شريكـه في المكيـدة التي صـار واحـدا من ضحـاياهـا. في بلـد كانـت الحيـاة السيـاسيـة فيـه معطّلة باستمرار، يستعـرض الكثيرون مهاراتهم في التحليل السياسي، مستندين إلى حزمة من الأخبار والشائعات والحكايات والأكاذيب التي تؤسطر حياة السياسيين.

النساء وحدهن خرجن ضد محاولة مجلس النواب التمديد لبقائه بحجة الظرف غير الطبيعي الذي لا يسمح بإجراء الانتخابات.

ولكن متى كان الظرف طبيعيا في لبنان؟ متى كان تنصيب رئيس جديد أمرا ميسرا؟ كل شيء في لبنان يولد قيصريا. غير أن كل شيء في الوقت نفسه يحضر ناقصا. لن يتاح للبنان أن يكون كاملا.

فلسفة الحكم فيه كانت قائمة دائما على وجود ذلك النقص. غير أنه النقص الذي يجب أن لا يعترف بوجوده أحد. يتغاضى عن النظر إليه الجميع، كما لو أنه ضرورة لكي يكون لبنان موجودا.

هل كان اعتزاز السائق، وهو يشير إلى البنايات التي يمتلكها السنيورة، نوعا من النفاق السياسي أم كان نوعا من الهجاء السياسي المبطن؟ الفقراء يزدادون والمسافة بينهم وبين الأثرياء تتسع.

ما من خطط متاحة لإنقاذ الفقراء من فقرهم، فالسياسيون منشغلون بفقرهم الذي لا علاقة له بفقر الناس العاديين. ولم يكن خطاب السيدة عن داعـش إلا تعبيرا عن شعور عظيم بالإحباط الـذي يشعر به اللبنانيون من غير أن يربطـوا بينه وبين فقـر سياسييهم الذي جعل من لبنان دمية بيد من يحمل السلاح، بالرغم من أن شبح الحرب الأهلية يبدو مستبعدا بسبب إرادة دولية.

لبنان اليوم يتسع لسياسييه ولكنه يضيق بشعبه. ما يحتاجه الشعب لا يبدو شديد الإلحاح في أجندات القوى السياسية المتصارعة.

ومع ذلك يبدو الشعب سياسيا أكثر مما يجب. يحلل بخبرة من يفهم من غير أن يصل إلى نتيجة بعينها. لا يقف مستسلما أمام عجزه بل يناور من أجل أن يبدأ نقاشه السياسي من جديد.

في إشارته إلى السنيورة بدا السائق كما لو أنه يريد توريطي في نقاش، من المؤكد أنني سأخرج منه خاسرا، غير أنه في الوقت نفسـه أراد أن يضعنـي في قلب الأزمة.


كاتب عراقي

8