لبنان الوطن بلا "السفير"

السبت 2016/12/31
الصحف اللبنانية تأثرت بالمتاعب الاقتصادية التي تمر بها البلاد

بيروت- صدرت السبت آخر طبعة ورقية من صحيفة السفير اللبنانية إذ اضطرت للإغلاق بعد 42 عاما في عالم الصحافة بسبب مشكلات مالية فيما تواجه منافذ إخبارية أخرى في لبنان صعوبات مشابهة. وجاءت في صدر الصفحة الأولى افتتاحية بعنوان "الوطن بلا السفير".

وقالت الافتتاحية "كانت الصحافة ولا تزال مرآة المجتمع. ولهذا تحديدا كانت متألقة وصارت تعاني. فالمجتمع ليس بخير والاقتصاد ليس بخير والسياسة ليست بخير وهذا كله لا يمكن إلا أن ينعكس على الصحافة وينهكها".

وربطت احتجابها عن الصدور بالازمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان والمنطقة. واضافت "تعبت السفير لكنها ترفض أن تكون المثال، خصوصاً أنها ترى في أفق المهنة بعض النور. إذ لا يعقل أن يبقى الظلام المخيّم على المنطقة والبلد جاثماً على صدرها وزميلاتها لوقت طويل".

وفي وقت سابق من العام ألقى طلال سلمان رئيس تحرير السفير باللائمة في إغلاق الصحيفة على هبوط العائدات والمشكلات السياسية والطائفية في لبنان في ظل عدم انتخاب رئيس آنذاك وغياب مؤسسات فاعلة للدولة.

وانتخب البرلمان اللبناني ميشال عون رئيسا في أكتوبر تشرين الأول بعد أكثر من عامين دون رئيس كما تشكلت حكومة جديدة هذا الشهر. وتباطأ نمو اقتصاد لبنان منذ انهيار حكومة الوحدة ونشوب الحرب الأهلية في سوريا المجاورة في 2011. ولم يسجل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في البلاد إلا اثنين بالمئة في 2014.

وقالت افتتاحية السفير إنه على الرغم من تفادي لبنان لمستويات العنف التي بليت بها أغلب المنطقة في السنوات الأخيرة فإن التأثيرات الاقتصادية والسياسية على البلد الصغير الذي يؤوي أكثر من مليون لاجئ سوري ألقت بضغوط هائلة على الصحافة التي كانت مزدهرة يوما في البلاد.

وتأسست السفير، المقربة من جماعة حزب الله اللبنانية الشيعية، عام 1974 تحت شعار "صوت الذين لا صوت لهم". وفي الصفحة الأولى من الطبعة الأخيرة نشرت الصحيفة رسما كاريكاتيريا تألف من قلم مكسور وحمامة دامعة وشخصية حنظلة الشهيرة التي ابتكرها رسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي الذي كان يعمل في السفير.

وتأثرت صحف أخرى بالمتاعب الاقتصادية في لبنان من بينها صحيفة النهار التي تستعد لخفض كبير في عدد العاملين بها. وحثت نقابة الصحافيين اللبنانية الحكومة الأسبوع الماضي على اتخاذ إجراءات لتقوية الصحافة المطبوعة في البلاد. وقالت السفير إن هناك مناقشات مع وزير الإعلام الجديد بشأن تمويل محتمل للقطاع قد يصل إلى 15 مليون دولار سنويا. لكن الحكومة لم تصدق على تلك الخطة بعد.

وابلغت الصحيفة موظفيها انها ستدفع كامل مستحقاتهم المادية منتصف الشهر المقبل تزامنا مع نشرها اعلانا على القنوات التلفزيونية تظهر مؤسسها ورئيس تحريرها طلال سلمان وهو يطفئ الضوء داخل مكتبه ويخرج منه، قبل ان يضيء المصباح وحده مجددا داخل المكتب مع عبارة "عالطريق".

وتعود أزمة الصحافة خصوصا الى الجمود السياسي الذي شهده لبنان خلال اكثر من عامين ونصف العام وتراجع التمويل الداخلي والعربي، بحسب ما يؤكد اختصاصيون وصحافيون. وكانت السفير اتخذت في شهر مارس قرارا بالتوقف عن الصدور لتتراجع عنه وتقرر خفض عدد صفحاتها من 18 الى 12، قبل ان تتخذ قرارا جديدا بالاقفال النهائي قبل اسابيع.

واستقطبت السفير التي عرفت منذ تأسيسها بتاييدها للقومية العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال فترة الحرب الاهلية، عددا كبيرا من الكتاب والنقاد والصحافيين على مر السنوات، بينهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش والشاعر السوري ادونيس. كما التصق اسمها لفترة طويلة باسم رسام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي.

وكانت الصحيفة خلال السنوات الاخيرة قريبة من حزب الله اللبناني ودمشق وتجاهر بمناهضة سياسات الادارات الاميركية المتعاقبة. وتعاني وسائل إعلامية اخرى في لبنان من الازمة ذاتها ما دفعها الى الاستغناء عن صحافيين وموظفين يعملون فيها منذ عقود.

وتعاني صحيفة "النهار" الاعرق في لبنان (تأسست العام 1933) والتي يمكن اعتبار سياستها على طرف نقيض من "السفير"، من ازمة مالية كبرى، وكذلك صحف ومحطات تلفزة، بينها مؤسسات تابعة لرئيس الحكومة سعد الحريري.

وطلبت النهار الجمعة في كتاب خطي من اكثر من اربعين موظفا بين كاتب ومحرر ومراسل ومخرج اخيرا "الامتناع عن الحضور" الى مكاتبهم بدءا من مطلع يناير بانتظار "معالجة الازمة المالية" التي تعاني منها، وفق ما قال احد العاملين في الصحيفة.

وجاء في نهاية الكتاب الموقع من رئيسة مجلس ادارة النهار نايلة تويني "التاكيد على ان هذا الكتاب لا يعتبر او يفسر بمثابة صرفكم من العمل". ولم يتقاض موظفو النهار اي رواتب منذ 15 شهرا، وتم خلال الاسبوع الماضي تسديد راتب شهر واحد فقط. ووصفت نقابة محرري الصحافة الجمعة ما تشهده الصحافة المكتوبة بـ"أزمة وطنية كبرى ينبغي للدولة التصدي لها.. نظرا الى خطورتها وتداعياتها، وإيجاد الحلول الناجعة لها".

1