لبنان: بيننا وبينكم الشارع والقضاء المستقل

مطلب إقرار قانون استقلالية السلطة القضائية بات قضية الشارع اللبناني، وهي قضية باتت مدعومة من جهات فاعلة برزت في السنوات الأخيرة وخصوصا في ظل الانتفاضة الراهنة.
الثلاثاء 2019/12/31
وتستمر الانتفاضة

"لبنان ليس بلدا فقيرا، لبنان ليس بلدا مفلسا، لبنان بلد منهوب". عبارات لم يرددها المنتفضون في الشارع فقط، بل رددها أغلب المسؤولين في السلطة السياسية الذين يحكمون لبنان منذ عقود، متناسين أنهم “مسؤولون”. وسواء انتبهوا إلى كونهم من يتحمل المسؤولية في الانهيار المالي والاقتصادي الحالي للبلد، أم لم ينتبهوا، فهم يرون أنفسهم محصنين عن المساءلة والمحاسبة بحصاناتهم السياسية والطائفية، وهم مطمئنون إلى سيطرتهم على السلطة القضائية وتحكمهم بها.

فحين يدين القاضي للسياسي بتعيينه وبترقيته وبموقعه وباستقرار وضعه الوظيفي والمعيشي، يصبح من السهل استخدام القضاء في عمليات الابتزاز المتبادل بين الأطراف السياسية المسيطرة والمتكالبة على تناتش مغانم السلطة كما يحصل في لبنان من تبادل اتهامات وتلويح بملفات الفساد والصفقات في مراحل الخلاف على المغانم. الملفات التي لا تلبث أن تُطوى حين يتم التوافق بين تلك الأطراف لتعود إلى سيرتها الأولى في ممارسة موبقاتها دون أن تنتابها خشية من محاسبة أو مساءلة.

من هنا كان أبرز أهداف انتفاضة 17 أكتوبر قيام سلطة قضائية مستقلة، وبالتالي تشريع قانون استقلالية السلطة القضائية وفقا لأحكام الدستور المنصوص عنها في المادة 20 منه. وهذا ما لم تكن السلطة السياسية خلال عقود من سيطرة أمراء الحرب والسلاح والمال، معنية به، بل ترفضه ضمنا ولو أن مصطلح “استقلالية القضاء” بات لازمة يرددها أقطاب القوى المسيطرة، شأنها شأن اللازمة التي يرددونها حول محاربة الفساد.

وإذا كانت القوى ذاتها التي تجانب إقرار قانون استقلالية القضاء هي التي تسيطر اليوم على السلطة التشريعية، فإن قيام حكومة من مستقلين أكفاء وبصلاحيات تشريعية استثنائية تشمل إصدار هذا القانون، وتنتزع هذه الصلاحية من مجلس نيابي يعجز عن إقراره، بات أكثر من مطلب مُلح، بل صار حقا من حقوق المواطنة تعمل ساحات الانتفاضة على فرضه من خلال الحكومة التي تطالب بتشكيلها، مدعومة بمواقف ذات شأن أعلنها نادي قضاة لبنان منذ تأسيسه مطلع هذه السنة ردا على تدخل القوى السياسية في أعمال القضاء وعلى استخدام السلطة القضائية في مناكفاتها وابتزاز بعضها للبعض الآخر بها.

ويتميز حزب الله في عملية الابتزاز والتلويح بملفات الفساد لتمرير سياساته ولفرض أجنداته على السلطة السياسية وعلى السياسيين. وهنا نذكّر بمقولة النائب في كتلة حزب الله حسن فضل الله الذي طالما ذكّر عبر كافة وسائل الإعلام أن لديه “مستندات ووثائق رسمية من شأنها أن تطيح برؤوس سياسية كبيرة إذا ما سلكت المسار القضائي السليم”.

Thumbnail

هذه العبارة باتت مثار تندر على وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنتين الماضيتين لكثرة تكرارها ولأنها لم تفض إلى شيء سوى المزيد من الابتزاز السياسي، علما أن اللبنانيين أصبحوا يدركون تماما الوظيفة الراهنة للسلطة القضائية في ظل نظام سيطرة قوى مافيوية يحميه حزب الله بما لديه من سلاح وهيمنة. حزب الله أقام إلى جانب المنظومة الرسمية دويلته الخاصة التي تتمتع باستقلال أكثر من ذاتي اقتصاديا وماليا وحتى قضائيا، إلى جانب الحصانات الاستثنائية الواقعية التي يفرضها لمنتسبيه ولمؤيديه تجاه الأجهزة الرسمية الأمنية والقضائية، فيقف القضاء عاجزا عن أن يلاحق أيّ مرتكب ذي حظوة محميٍّ من هذا الزعيم أو من هذا الحزب أو هذه الحركة. فمن يجرؤ على استدعاء أو محاسبة العناصر التي لاحقت المتظاهرين في شارع فردان وتعدت عليهم بالضرب وتكسير السيارات، تلك العناصر التابعة لجهاز “حماية مجلس النواب”، حسب التسمية الرسمية، والذي لا يعدو إلّا كونه ميليشيا خاصة تتقاضى رواتبها وتعويضاتها من أموال اللبنانيين، تابعة في كل شأنها لرئيس حركة أمل، رئيس مجلس النواب، نبيه بري على سبيل المثال. ومثل ذلك شبيحة حزب الله وحزب وليد جنبلاط وحتى حرس الوزير السابق فيصل كرامي أو النائب السابق مصباح الأحدب.

إن مطلب إقرار قانون استقلالية السلطة القضائية بات قضية الشارع اللبناني، وهي قضية باتت مدعومة من جهات فاعلة برزت في السنوات الأخيرة وخصوصا في ظل الانتفاضة الراهنة، بدءا من المفكرة القانونية وسواها من الهيئات التي أقامها المحامون اللبنانيون، مرورا بنادي قضاة لبنان، وصولا إلى نقابة محامي بيروت برئاسة النقيب ملحم خلف مؤسس جمعية فرح العطاء، الذي انتخب في عز الانتفاضة في وجه مرشح تحالف قوى السلطة.

هذه الهيئات، مدعومة بزخم الانتفاضة وبإرادة شعبية عارمة لا تلين، لن تتخلى عن مطلبها الذي نص عليه الدستور في الوصول إلى سلطة قضائية مستقلة بالشكل الذي يطمح إليه اللبنانيون كي ينتصب ميزان العدالة باسم الشعب اللبناني، ويعمل على البت في كل ملفات الجريمة والفساد واستعادة أموال اللبنانيين المنهوبة ومحاسبة الفاسدين.

لقد تمكن القضاء المستقل في إيطاليا مطلع تسعينات القرن الماضي من اجتثاث المافيا التي تغلغلت في كافة مؤسسات الدولة وأحزابها على مدى أكثر من قرن، واستنزفت مليارات الدولارات من أموال الدولة والمواطنين سنويا، وأحال إلى المحاكمات آلاف المتورطين وبينهم العشرات من النواب والوزراء وكبار الموظفين، واستصدر أحكاما قاسية بحق المئات منهم ومنع عنهم حقوقهم المدنية والسياسية.

هذا ما يحتاجه لبنان اليوم وبإلحاح شديد بعد أن أوصلت القوى المسيطرة على السلطة البلاد إلى الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي، وأدت باللبنانيين إلى البطالة والإفقار. اللبنانيون يصرخون في وجه تلك القوى المتشبثة بالسلطة رفضا لحكومة تتشكل في الغرف المظلمة في محاولة لإعادة إنتاج نظام سيطرتها وكأن البلاد لم تشهد انتفاضة شعبية شارك فيها مئات الآلاف من الرجال والنساء ومن مختلف الأجيال وفي مختلف المناطق. اللبنانيون يهتفون في الساحات وأمام منازل المسؤولين والمؤسسات الإدارية والخدمية والمالية: بيننا وبينكم الشارع والقضاء المستقل!

9