لبنان بين التصريف والتأليف والانفجار العنيف

ما الذي دفع حسان دياب لأن يصدر بيانه الذي أعلن فيه رفضه للتهويل والضغوط، وأكد عزمه على المضيّ بتشكيل حكومته وفقا لـ"الإطار العام" المتفق عليه.
الاثنين 2020/01/13
حراك قد يقلب الطاولة على الجميع

في ما يشبه تحدي المهمة، وبعد ثلاثة أسابيع على تكليفه مهمة تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، أصدر الرئيس المكلّف حسان دياب بيانا يؤكد فيه على إصراره الاستمرار في العمل على تشكيل حكومته، حيث كانت عدة جهات تتوقع اعتذاره.

ثلاثة أسابيع حفلت بالكثير من الاتصالات والمشاورات في الغرف المغلقة، كما حفلت بما يشبه الوقفات اليومية الاحتجاجية على مدخل منزله تطالبه بالاعتذار والتراجع عن المهمة التي كلّف بها من قبل رئيس الجمهورية بعد استشارات نيابية ملزمة تأخرت أكثر من 50 يوما حصل فيها حسان دياب على تأييد نواب الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) ونواب التيار الوطني الحر وحلفائهم، أي بنتيجة تأييد 69 نائبا، بعد أن امتنع الرئيس سعد الحريري عن ترشيح نفسه لهذه المهمة، نظرا إلى امتناع القوى ذاتها عن تأييد تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسته.

ثلاثة أسابيع قلّما تحدث فيها حسان دياب إلى الإعلام فيما امتنع عن إصدار أي بيان. فما الذي دفعه لأن يصدر السبت بيانه الذي أعلن فيه رفضه للتهويل والضغوط، وأكد عزمه على المضيّ بتشكيل حكومته وفقا لـ”لإطار العام” المتفق عليه؟

هذا “الإطار العام” الذي كان أعلن عنه يوم تكليفه، ثم كرّره بوضوح في بيانه الأخير “حكومة مصغرة من ثمانية عشر وزيرا، فصل النيابة عن الوزارة، حكومة اختصاصيين غير حزبيين، مشاركة المرأة بحصة وازنة، إلغاء منصب وزير دولة، عدم مشاركة وزراء من حكومة تصريف الأعمال التي أسقطها الحراك”.

واضح أن هذا التوضيح الذي جاء في بيان موجّه إلى الرأي العام، هو موجّه في الحقيقة إلى القوى السياسية التي اختارته للتأليف، والتي يبدو أنها تنصلت من هذا الإطار العام بعد التطورات الأخيرة في المنطقة واستنادا إليها، متعامية تماما عن الوقائع المحلية التي كانت السبب في إسقاط الحكومة السابقة، إذ أنّ ما صدر عن رئيس مجلس النواب رئيس حركة أمل نبيه برّي الأربعاء الماضي، وما جاراه فيه رئيس الجمهورية بعد ذلك وما يتداوله حزب الله بشكل غير معلن، هو العودة إلى حكومة هي نسخة مطابقة للحكومة المستقيلة في ما أسماه نبيه برّي “حكومة لمّ الشمل”، وما يطلق عليه حزب الله “حكومة سيادية”، وما يعبّر عنه التيار الوطني الحر بـ”حكومة قوية قادرة على مواجهة المتغيرات الإقليمية”.

وهو رد على رفض جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر لتوزير اثنين من الذين سبق لهم أن تولّوا حقائب وزارية في حكومات سابقة، هما دمينوس قطار وزياد بارود، بدعوى أنهما وزيران سابقان، في حين أن الإطار الذي وضحه دياب في بيانه يقول إن الحكومة ينبغي أن تكون خالية من وزراء تصريف الأعمال وليس من أي ممن سبق له أن كان وزيرا في أيّ حكومة سابقة.

غير أن المتغيرات الإقليمية يبدو أنها لا تصب في مصلحة هذا التحالف السياسي. فقد رأينا أنّ وفدا من حزب الله إلى بكركي قبل بضعة أيام برئاسة إبراهيم أمين السيد، حمل مواقف ذات سقوف متدنية قياسا على مواقف الحزب السابقة، فهل يأتي ذلك التراجع انحناء أمام تلك المتغيرات التي تجلّت في مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وفي الرد الإيراني الخلبي على ذلك في العراق والذي ترافق مع إسقاط الطائرة الأوكرانية بصاروخ إيراني مخلفا أكثر من 170 قتيلا، لم تستطع إيران أن تستمر في إنكار مسؤوليتها عنه بعد ثلاثة أيام من حدوثه فاعترفت بجريمتها المروّعة تلك متذرعة بخطأ بشري.

Thumbnail

هل التقط حسان دياب الإشارة، خصوصا بعد الرد الشعبي العراقي العارم يوم الجمعة الماضي على استباحة السيادة العراقية من إيران وأميركا في إصرار على إسقاط منظومة الفساد الملتحفة بالنظام الإيراني والمتحكمة بموارد العراق وبحياة العراقيين، حيث هبط ملايين العراقيين إلى ساحات بغداد والناصرية والبصرة وكربلاء وسواها من المدن العراقية يهتفون “لا أميركا ولا إيران.. العراق للعراقيين”.

وفي ظل استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وافتضاح أشكال وحالات الفساد المتفشي في دوائر الدولة ومؤسساتها كافة، والعجز المتفاقم عن تلبية حاجات المواطنين والانهيار المتسارع للعملة الوطنية دون أي محاولة لإنقاذ القوة الشرائية للمواطنين وبالأخص الموظفين في مختلف الأسلاك ومنها الأمنية والعسكرية والتربوية، وفي ظل تطورات دراماتيكية تشهدها المنطقة، يصدر دياب بيانه في ما يشبه التحدي للقوى السياسية ذاتها التي اختارته، يؤكد فيه على استمراره في الاتصالات وإصراره على تشكيل حكومته وفق “الإطار العام” المتفق عليه، مشيرا إلى الضغوط التي يتعرض لها رافضا التهويل وأن يكون موقع رئاسة الحكومة “مكسر عصا”.

يمكن القول إن إصدار حسان دياب لهذا البيان بعد هذا الصمت الطويل وبعد هذه المشاورات المتشعبة جاء ليقول إن الرئيس المكلّف يقاوم ضغوطا كبيرة عليه، وبالتالي إن تشكيل الحكومة يمر بأزمة، كما أن إصراره على المضيّ في تشكيل الحكومة لم يكن لولا تلقي الرئيس المكلّف الإشارات التي توحي بدعم غير معلن من بعض الجهات الخارجية، واستشعاره أن المتغيرات الإقليمية سوف تساعده ولو بعد حين.

لكن اللبنانيين الذين يرون بأم العين كيف تنهار أوضاعهم بتسارع مخيف هم في مكان آخر، حيث لم يعودوا يطيقون انتظارا. وها هم في حراكهم الثوري اليومي مستمرون، ولا نعرف بالتحديد متى تأتي اللحظة التي يشهد فيها لبنان الانفجار الشعبي الكبير الذي ربما يقلب الطاولة على الجميع.

8