لبنان بين الشغور والشغور

الاثنين 2017/01/30

نجحت حتى الآن، أطراف الائتلاف المسيطر في لبنان في إعادة تشكيل نظام سيطرتها بدءا من فرض ميشال عون رئيسا للجمهورية، مرورا بتكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة، وصولا إلى تقاسم الحقائب والمقاعد الوزارية في ائتلاف حكومي موسع ضم كافة الفرقاء، باستثناء حزب الكتائب الذي لم يقنعه نصيبه من الحقائب فآثر البقاء خارجا مراهنا على تحسين صورته الانتخابية من خلال التصويب على تقصير باقي القوى السياسية في معالجة الأزمات، وانتهاء بمنح ثقة برلمان النظام.

يسير كل ذلك بالموازاة مع استمرار انخراط حزب الله بعشرات الآلاف من الشباب اللبنانيين في الحرب على الشعب السوري وتورطه في ارتكاب المجازر بحقه وفي اقتلاع أبنائه من مدنهم وقراهم بتوجيه من نظام المافيا الإيرانية. هذا التدخل الذي يعود منه المئات من الشباب اللبنانيين في نعوش، لم يصادف أي عبارة تشير إليه في خطاب القسم الذي أداه العماد ميشيل عون إثر انتخابه لرئاسة البلاد ولا في البيان الحكومي الذي نالت على أساسه حكومة سعد الحريري ثقة البرلمان. وعليه لا بد للمراقب أن يلحظ شكلا من التقاسم أو التوافق المضمر بين حزب الله وباقي قوى السلطة على أن يكون النأي بالنفس الذي أشار إليه خطاب القسم من نصيب مؤسسات الدولة، أما الحرب في سوريا وربما أبعد من سوريا، فهي شأن حزب الله وحده لا شريك له. وعليه لم نعد نسمع من أي من الفرقاء اللبنانيين أي تعليق صريح حول استمرار تدخل حزب الله في سوريا، أو عن تأثير هذا التدخل على الوضع الداخلي في لبنان. فهل يعني ذلك أن إعادة إنتاج النظام كانت مشروطة بإطلاق الحرية التامة لحزب الله في حروبه الخارجية؟

غير أن حصة حزب الله من إعادة إنتاج هذا النظام لا تتوقف على ذلك، ولكنه احتفظ لنفسه بحصته في تقاسم مغانم السلطة داخليا أيضا، وهو يراهن على سطوة تدخلاته العسكرية خصوصا في حماية مصادر تمويله غير الشرعية واستمرار تدفق السيولة إلى مؤسساته المدنية. وهو إلى جانب ذلك يراهن على زيادة نصيبه في البرلمان القادم من خارج الطائفة الشيعية، وبالتالي بعيدا عن حصة رئيس البرلمان، حليف الضرورة، نبيه بري. من هنا يطلق حملته المتواصلة من أجل قانون انتخابي على أساس النسبية والدائرة الواحدة، ولكن على أساس طائفي ومذهبي، وهذا أخطر بكثير من أي قانون انتخابي أكثري بما في ذلك قانون الستين الذي اعتمد في الانتخابات الأخيرة، والذي سيبقى نافذا حتى إصدار قانون بديل.

ولا شك أن لقانون الانتخابات، موقعا أساسيا في كل نظام سياسي “ديمقراطي”. ولا يمكن الحديث عن تجديد مؤسسات الدولة ومدى جدية هذا التجديد من دون الأخذ بالاعتبار طبيعة وشكل هذا القانون.

فمن أجل إكساب نظام قائم في الأساس على اغتصاب متكرر للمؤسسات، شرعية “دستورية” وشعبية لا بد من إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر. ولكن تغيرات في موازين القوى الإقليمية والمحلية حدثت، تفرض إعادة توزيع الأنصبة بين فرقاء السلطة، وبالتالي فإن اقتناص اللحظة من أجل تكريس ما نشأ عن هذه التغيرات يجعل من التوافق على قانون انتخابي جديد مسألة ملحة. فالبرلمان نفسه الذي عجز، أو تخاذل عن إصدار قانون انتخابي جديد طيلة ثماني سنوات، مطلوب منه اليوم إقرار قانون جديد في غضون أيام. ولكن، من يصدّق أن البرلمان والنقاشات داخل البرلمان هما من يصدر مثل هذا القانون؟ إن من يقرر طبيعة وشكل القانون الانتخابي في لبنان هو مجموعة من رؤوس المافيا المسيطرة. وهذا القانون لن يرى النور إلا بناء على قسمة تؤكد استمرارها في موقع السلطة والنفوذ وتؤكد على لبنان بلد التقاسم بحسب موازين القوى بما لا يلغي أحدا من هذه الرؤوس.

وهنا التأكيد على الطبيعة الطائفية الملازمة لأي قانون انتخابي سوف يتم التوافق عليه، سواء اعتمد القاعدة الأكثرية أو النسبية أو المختلطة بين الاثنين. وقد رجحت المعلومات القانون المختلط الذي يمكن تفصيل دوائره ونصيب النسبي فيه والأكثري بحسب حاجات كل من أطراف الائتلاف المسيطر. إذ، ليس المطلوب قانون انتخابي يلبي مصالح الناس، ولكن المطلوب قانون يؤمن النتائج “المرجوة” قبل الانتخابات.

تركز وسائل الإعلام على النقاشات والحوارات المتواصلة بين أطراف النظام حول مشاريع لقانون الانتخابات. وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بمواقف زعامات القوى الطائفية والمذهبية وأنصارهم حول طبيعة هذا القانون الذي لا ينبغي له، بحسبهم، أن يلغي أحدا أو يغبن طرفا، ولكن الغائب الوحيد عن كل هذه النقاشات هو الشعب المسكين، فيما تطالب القوى التي تدعي حمل راية “التغيير الديمقراطي” بقانون يعتمد النسبية والدائرة الواحدة، وهنا تتفق مع مطالب حزب الله وحلفائه، ولكنها تفترق معها بشعار مكمّل “خارج القيد الطائفي”. وبما أن راية النسبية قد رفعت من قبل عدة أطراف، وبما أن مراعاة أطراف محددة تفرض دوائر أصغر من المحافظة، وبما أن “خارج القيد الطائفي” تبقى آخر الشعارات وهي بالتأكيد خارج كل المداولات، فإن تلك الجهات التي تدعو إلى التظاهر من أجل النسبية واقعة حكما في شرك حزب الله وحلفائه.

من هنا تدور نقاشات بعيدة عن الضوء بين ناشطين يساريين وناشطين من الحراك المدني حول الموقف من تلك الانتخابات المزمع عقدها هذا العام: هل يجب مقاطعتها أم المشاركة بالورقة البيضاء أم المشاركة ترشيحا واقتراعا مهما كان شكل وطبيعة القانون؟

منهم من يستلهم تجربة “بيروت مدينتي” في الانتخابات البلدية الأخيرة ليقول إنها وضعت قوى السلطة مجتمعة في موقف المناوئ للقوى المدنية والشعبية التي تمكنت من فرض نفسها عبر لائحة مكتملة في تلك الانتخابات نجحت في الحصول على نسبة مشجعة من أصوات المقترعين، وبالتالي يمكن البناء على هذه التجربة للوصول إلى كتلة شعبية اعتراضية وازنة يمكن الركون إليها في العمل من أجل التغيير الديمقراطي. ومنهم من يقول إن الاقتراع بالورقة البيضاء يمكن أن يؤدي نفس الرسالة.

لا يمكن تعميم تجربة “بيروت مدينتي” لأسباب عديدة منها الفارق الجوهري بين انتخابات بلدية ذات طابع إنمائي، وبين الانتخابات النيابية السياسية بامتياز والتي تمس مباشرة سيطرة القوى المتنفذة. ومنها أنه لم يجر أي تقييم موضوعي لتلك التجربة يقرر مدى نجاحها أثناء وبعد حصول الانتخابات. فهل شكلت فعلا حالة شعبية تغييرية يعتد بها أم المطلوب فقط أن نرى قوى النظام وقد توحدت؟

هنا يبرز الشغور الأشد فداحة على الساحة اللبنانية وهو الشغور المستمر في موقع قوى التغيير الحقيقية التي يمكنها صياغة الموقف الأكثر فعالية من هذا الواقع، الموقف الذي يجسد مصالح اللبنانيين في التخلص من نظام الفساد والفضائح اليومية وإهدار حقوقهم وكراماتهم ومواطنتهم.

كاتب لبناني

8