لبنان بين حراك أهل السلطة وحراك الشارع

الثلاثاء 2015/12/01

شهد مستنقع نظام ائتلاف سيطرة القوى المافيوية التابعة للنظام الحاكم في لبنان خلال الأسبوع الماضي حركة وَجِسَةً باتجاه ملء شغور منصب رئاسة الدولة الذي مضى عليه 18 شهرا.

ثمة معطيات وتسريبات عن أدوار داخلية وعن دفع خارجي خفي وراء هذه الحركة التي باشرها رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري باتجاه النائب سليمان فرنجية الشديد القرب من رئيس النظام في دمشق بشار الأسد.

تلقفت الساحة اللبنانية، على مستوى قوى السلطة، الأمر بالكثير من التوجس والحذر. إذ كيف لمن رفض على مدى 18 شهرا ترشح الجنرال ميشال عون صاحب أكبر كتلة نيابية “مسيحية” لمنصب الرئاسة بسبب تحالفه مع حزب الله أن يرشح من هو أكثر قربا منه لنظام آل الأسد؟

حركة أربكت حلفاء الحريري وأثارت، بعد فترة الذهول، ويقال بعد إشارات إقليمية ودولية معاكسة، زوبعة رفض لمثل هذا الخيار تعلل بشروط مضادة يستحيل على فرنجية السير فيها.

واللافت كان تصريح السفارة الأميركية بعد أقل من ثمان وأربعين ساعة على انتشار خبر لقاء سعد الحريري مع سليمان فرنجية في باريس، والذي أظهر رضى أميركيا عن توافق القوى السياسية في لبنان على ملء الشغور الرئاسي بمن تراه مناسبا.

وهنا ينقسم المراقبون إلى من يعتبر هذا الأمر جزءا من صفقة أميركية إيرانية محتملة، أو ربما متوهمة، يكون فيها سليمان فرنجية في منصب رئاسة الجمهورية تعويضا للإيرانيين عن خروج الأسد من السلطة، معللين ذلك بما قدمه زعيم حزب الله حسن نصرالله من اقتراحات في خطابه الأخير حول سلة متكاملة للتسوية في لبنان، هذا الخطاب الذي سبق لقاء باريس بأيام. أما آخرون فيرون الموقف الأميركي يندرج في إطار سياسة أميركا في الانسحاب من المنطقة وتسليمها، ضمن شروط وحدود، للتحالف الإيراني الروسي.

أما سلة حسن نصرالله المتكاملة فيبدو أن أبرز ما قدمته الوصول إلى خواتيم إيجابية في ما يتعلق بقضية العسكريين اللبنانيين المختطفين لدى كل من جبهة النصرة وداعش في جرود القلمون بحيث تتم عملية التبادل بينهم وبين موقوفين “إسلاميين” لدى السلطات اللبنانية، كما سيتم إطلاق أسرى لحزب الله لدى النصرة كما سربت بعض المصادر.

وهنا نتذكر ما قلناه منذ قرابة السنة، كيف أن حزب الله وضع العراقيل بوجه حل قضية العسكريين المختطفين. والآن، وبعد تأكيد الخبر، فإن تسهيل أمر الإفراج عن العسكريين المختطفين ربما جاء بعد ربط مصيرهم بمصير عناصر تابعين له.

وإذا كان لحجم المعارضة لترشيح سليمان فرنجية لمنصب الرئاسة أن يتوسع في اليومين الماضيين، فإن ترشحه أصبح واقعا، قد يكون ينتظر جلاء الصورة في مسألة مصير بشار الأسد بحسب الرأي الأول، أو تسويات إضافية حول بنود خلافية في تقاسم المغانم بحسب الرأي الثاني، ولكن المحسوم يبقى واضحا:

إزاحة العماد عون بشكل شبه كامل عن المشهد الرئاسي من جهة، واستمرار تقرير مصير منصب رئاسة الجمهورية خارج البلد، سواء بسليمان فرنجية أو بسواه، من جهة أخرى.

وإذا كان حراك السلطة قد جاء في لحظة خفوت حراك الشارع، رغم عدم الارتباط بينهما، إلا أن هذا الخفوت يتيح لقوى السلطة مساحة أهدأ لتسليط الضوء على فعالياتها بعيدا عن صخب الشارع، ولو أن روائح جبال القمامة لا تزال تزكم الأنوف، والمخاطر المترتبة على هذا الوضع تتفاقم كل يوم.

وإذا كانت أزمة النفايات الصلبة التي تراكمت في شوارع وساحات العاصمة بيروت وغيرها من المدن والمناطق، هي التي حركت الشارع اللبناني خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، فإن مرجع هذه الأزمة الذي بات يعرفه الجميع، هو الفساد المرافق لهذا المرفق الحيوي كما غيره، والذي تمارسه أطراف النظام كافة في إطار تقاسم مغانم السلطة.

ولكن هذا الحراك لم يحقق أيا من أهدافه وفي مقدمها تقديم الحكومة الحلول الناجعة لأزمة النفايات بعيدا عن الصفقات المشبوهة. فما هي الأسباب التي أدت إلى تراجع هذا الحراك رغم استمرار الأزمة؟

هذا ما يدور حوله نقاش واسع ضمن الحملات التي شاركت في الحراك وبين ناشطيها وأكثره بعيد عن الضوء. وهنا لابد من الإشارة إلى بعض الأمور:

ليس على حراك الشارع أن ينتظر ما يتمخض عنه حراك السلطة، بل عليه أن يستمر في إزعاج القوى السلطوية بالطرق والأشكال التي تحرجها، وتجعلها أكثر حذرا حيال الصفقات التي تجريها في كل الأحوال بعيدا عن مصالح المواطنين، وفي أغلب الأحيان ضد هذه المصالح.

لابد لمجموعات الحراك أن تراجع تجربتين اثنتين سبقتا هذا الحراك، وجاءت الأولى في سياق الانتفاضات الشعبية العربية بعد هروب زين العابدين بن علي، الرئيس التونس الأسبق، وبعد تنحية حسني مبارك رئيس مصر “القوي” وكانت تحت شعار “إسقاط النظام الطائفي”.

والثانية تجربة هيئة التنسيق النقابية على مدى ثلاث سنوات والتي حشدت وراء مطالبها كل الموظفين والمستخدمين، وكلتاهما فشلتا أمام صلف قوى السلطة وبتأثير الشرط العربي والإقليمي الذي بات أقوى من ذي قبل نتيجة احتدام الصراعات وتشابكها من حولنا، وانخراط قوى محلية فيها بقوة.

النقد مسألة حيوية لكل تجربة، ولكن من أجل تفعيل هذه التجربة وتجذيرها مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية وبعيدا عن الهوس بالانتصارات الصغيرة، والتلهي بتبادل الاتهامات الذي يجعل من تحشيد المتضررين وتضامنهم في الساحات مسألة معقدة ومطلبا بعيد المنال. وعندما نتصدى للفساد علينا أن نقر أن المشارك والمتواطئ والمستفيد من شبكة الأمان المتاحة لأخطبوط الفساد واحد.

وعندما نتصدى للتبعية لا يمكن لأحد أن يتهم جهات سلطوية ويتغاضى عن أخرى تحت أي ذرائع، خصوصا تلك المتصلة بالتبعية المالية والأيديولوجية والسياسية التي تربط حزب الله بنظام الملالي البازار في طهران.

بين حراك الشارع وحراك قوى النظام تمارس غالبية وسائل الإعلام دورها المشبوه في دغدغة مشاعر الناس وفي توجيه أنظارهم حيث تريد، بعيدا عن الكوارث التي تصيبهم على أيدي قوى التبعية والنهب والفساد الممسكة برقابهم.

كاتب لبناني

9