لبنان بين صراع قوى السلطة وانكفاء الحالة الشعبية

الجمعة 2016/09/16
لا شيء معقولا حتى الآن

مرّت حتى الآن ثمانية وعشرون شهرا على الشغور الرئاسي في لبنان، شغور أرخى بظلاله على كافة مؤسسات الدولة التي أصابها الشلل واحتل الفراغ أو التمديد عددا من مؤسساتها الحساسة، الأمر الذي انعكس سلبا وبقوة على مصالح المواطنين وعلى الخدمات العامة الحيوية بشكل خاص، كما على سياسات لبنان الخارجية وبشكل فاقع.

خلال مدة الشغور الرئاسي مدد مجلس النواب لنفسه مرة ثانية بعد أن قام بالتمديد الأول أثناء ولاية الرئيس السابق ميشيل سليمان، كما تم التمديد لقائد الجيش الذي شارف على انتهاء ولايته الممددة، ليعود الخلاف مرة أخرى بشأن الصفقات بين القوى السياسية التي تؤيد التمديد وتلك التي تبحث عن ثمن مقابل ذلك. بالطبع، لم يكن الشغور الرئاسي لأسباب وطنية داخلية بقدر ما كان نتيجة التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة ولا تزال، وخصوصا في سوريا ومساندة النظام الإيراني للنظام الأسدي في مواجهة الشعب السوري وتدخل حزب الله العسكري هناك إلى جانب النظام بإيعاز من أسياده في طهران بخلاف وثيقة بعبدا التي تم التوافق عليها في عهد الرئيس سليمان وبموافقة حزب الله نفسه والتي تفرض النأي بلبنان عمّا يجري في المنطقة.

لقد فرض حزب الله هذا الشغور متعمدا من خلال ترشيحه لحليفه الجنرال ميشيل عون وهو يدرك تماما أن حظوظه الرئاسية معدومة، وحتى حين تم تبني هذا الترشيح من قبل حزب القوات اللبنانية لم يتلقف حزب الله هذه المبادرة، وحرص على استمرار مقاطعة نوابه ونواب القوى التابعة لجلسات انتخابات الرئاسة حتى الساعة. فحزب الله لا يريد رئيسا واستخدامه لورقة عون لم يكن إلا لتعطيل انتخاب الرئيس. والتعطيل الدائم لمجلس النواب وشل عمل الحكومة والمؤسسات يمثلان الربيع الذي يريده حزب الله حتى يستمر في تدخله في سوريا دون أي مراقبة أو محاسبة من أي من مؤسسات الدولة وتبعا للقوانين النافذة. الساحة اللبنانية “الفالتة” التي أمنها الشغور والتعطيل والشلل في مؤسسات الدولة مثلت بيئة نموذجية لعبث مافيات الأمر الواقع الغاصبة للسلطة، ولفسادها المستشري في جميع القطاعات، ولصفقاتها التي لم تستثن أي شيء بدءا بالشواطئ والجبال والأنهار وصولا إلى التربية والتعليم والصحة والإغاثة والاستيراد والتصدير والاتجار بالممنوعات والبشر مرورا بالنفايات الصلبة ومجاري المياه المبتذلة.

الشغور الرئاسي لم يكن لأسباب وطنية داخلية بقدر ما كان نتيجة التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة ولا تزال، وخصوصا في سوريا

وكانت قضية النفايات الصلبة قد دفعت اللبنانيين إلى النزول إلى الشارع والتظاهر والاعتصام على امتداد عدة شهور في العام الماضي، ما أدى إلى مصادمات مع القوى الأمنية وإصابات واعتقالات ما أرغم الحكومة على الاجتماع والتحرك بعد أن كانت تعيش حالة من العطالة استمرت لأسابيع عديدة، كما دفعت برئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الدعوة لاستئناف جلسات الحوار بين القوى السياسية التي لبّت الدعوة فورا خشية من تطور الحالة الشعبية التي كسرت الحواجز الوهمية التي رفعها السياسيون بين الطوائف والمذاهب والمناطق، وتوحدت في اتهامها لقوى السلطة كافة بالفساد والنهب واغتصاب مؤسسات الدولة وسلطاتها.

وهكذا تحركت عجلة الحكومة والتأمت طاولة الحوار وتوحدت القوى السياسية لمواجهة تقدم الحراك الشعبي في الشارع. وكانت المواجهة خلال شهري أغسطس وسبتمبر بحيث وقفت قوى السلطة مجتمعة مستعينة بأدواتها الأمنية والقضائية والإعلامية كافة، في وجه الشارع المنتفض. واستطاعت من خلال الخروقات التي تمكنت من تنفيذها بواسطة أطرافها السياسية ومن خلال الضغوط التي مورست على “الحملات” المختلفة في الحراك وعلى ناشطيها أن تفرض تراجعا تدريجيا على حركة الشارع، رغم تمكن الأخير من فرض تراجع قوى السلطة أكثر من مرة عن صفقات مشبوهة أعدتها للتخلص من النفايات الصلبة التي تراكمت لشهور طويلة في الساحات والشوارع وباتت مصدر خطر داهم على الصحة العامة.

ورغم تراجع الحكومة عن عدد من الصفقات المشبوهة في قضية إزالة النفايات من الشوارع، إلا أن أحدا من المسؤولين المتورطين في التحضير لتلك الصفقات لم يواجه أي مساءلة أو محاسبة. وكان لذلك أن يرفع من وتيرة الحراك الشعبي وأن يسهم في توحيده وتطويره، غير أن ما سمي بـ”الحملات” التي قادت هذا الحراك فشل في وضع برامج مطلبية أو خطة سياسية قادرة على توحيد الحراك وتوسيعه وتجديد فعالياته، وكان التنافس على “السكوب الإعلامي” عند البعض من الحملات والبعض من الناشطين أهم من كل ذلك. وهنا لا بد من ذكر الدور الخبيث لغالبية وسائل الإعلام في ذلك، ما أسهم في إفقاد الحراك فعاليته فتراجعت ثقة المشاركين وانفضوا عنه.

لقد مر أكثر من عام على انطلاق الحراك الشعبي الأخير الذي عصفت به ساحات بيروت، والذي تلاشى خلال شهري سبتمبر وأكتوبر من العام الماضي إلى أن توقف تماما. وهكذا اطمأنت قوى السلطة وعادت إلى المناكفات المرتبطة بتقاسم المغانم. وبعد أن تعهدت بحلول جذرية لقضية النفايات عادت الأخيرة إلى الشوارع. أما موضوع الرئاسة الأولى، فبعد المناورات التي شغلت المراقبين طوال الشهور الأولى من هذا العام، تعود هذه القضية إلى نقطة الصفر ويستمر الشغور والتعطيل وتعود الحكومة إلى دائرة الشلل.

نلاحظ أن هناك علاقة طردية بين فعالية الشارع وتوحده من جهة وبين تآزر قوى السلطة في وجهه من جهة أخرى. فكلما ارتفع منسوب الحراك الشعبي اضطرت قوى السلطة إلى الاتحاد في وجهه، بينما تعود هذه القوى إلى المناكفات وترتفع حدة الخطاب التصعيدي في ما بينها حين ترتاح إلى استكانة الشارع وهمود الحراك الشعبي.

كاتب من لبنان

6