لبنان تسعى إلى تقنين الزواج المدني

السبت 2013/12/07
غياب قانون موحد للأحوال الشخصية يقف حاجزا أمام الزواج المدني

بيروت - الزواج المدني هو زواج يتم في المحكمة غالبا بين أتباع ديانتين مختلفتين وهــو عــبــارة عــن عقد قانوني يتم في حضور الشهود والكاتب وموافقة الطرفين.

ويقوم هــذا العقد على الحب المتبادل والرغبة في تأسيس أسرة تتمتع بكامل حقـوقهـا الاجتماعية والمدنية والاقتصادية أمام القانون، ويتم تسجيل هذا العقد فــي سـجلات الدولة وهو خاضع بشكل كامل إلى القواعد القانونية التي حددها المشرّع والتي لا يجوز للأفراد مخالفتها.

أعلن وزير العدل اللبناني شكيب قرطباوي الخميس أن وزارته تعد مشروعا للزواج المدني في لبنان.

وقال قرطباوي، في ندوة حول حقوق المرأة، إن "هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل تقوم بإعداد مشروع قانون للزواج المدني في لبنان".

وأضاف: "يجب عدم الاكتفاء بتسجيل الزواج المدني المعقود في لبنان والذي يختار فيه الزوجان قانونا أجنبيا يحكم مفاعيل الزواج بل يجب أن يكون القانون الذي ينظم هذا الزواج لبنانيا". وعن احترام لبنان لحقوق المرأة قال إن "45 بالمئة من قضاة لبنان من السيدات وثلاثة من أصل عشرة أعضاء في مجلس القضاء الأعلى سيدات".

وأشار إلى أن المحامين في لبنان انتخبوا قبل أربع سنوات محامية نقيبة لهم من دون أي تردد ينم عن ذكورية معينة، مشيرا إلى أن الكثيرات من النساء يشغلن مناصب عميدات كليات ومديرات فروع وأساتذة في الجامعات.

وأضاف: "لا شك أن هناك تقدما ملموسا في لبنان بالنسبة إلى الحيز الذي تأخذه المرأة، إنما الواقع يؤكد كذلك أن الحقوق تكتسب ولا تؤخذ والدليل على ذلك السيدات اللبنانيات اللواتي يتولين مراكز متقدمة في المصارف والشركات الخاصة الكبيرة التي لا تلتفت إلا إلى الكفاءة".

ويرجع مشروع الزواج المدني في لبنان إلى عام 1951 حين نوقش في البرلمان ثم رفض. وفي عام 1960 بدأت جمعيات علمانية تطالب به من جديد عبر التظاهر، وعاد ليطرح في البرلمان عام 1975، وأثار جدلا كبيرا عندما طرحه عام 1998 رئيس الجمهورية الأسبق الراحل إلياس الهراوي.

يستنتج من مختلف أحكام التشريعات لدى الطوائف اللبنانية، أن الزواج هو عقد ثنائي علني ذو صفة دينية

وفي عام 1999 نوقش مشروع قانون الزواج المدني في مجلس الوزراء، حيث تمت الموافقة عليه بأغلبية 21 صوتا، إلا أن رئيس الوزراء رفيق الحريري لم يوقّع على المشروع ولم يقدمه للبرلمان للتصديق عليه، واعتذر قائلا: "إن ظروف لبنان لا تسمح الآن بذلك".

كما قــوبــل هذا المــشــروع برفض كبير من المسلمين ثم من المسيحيين حتى وإن كان اختياريا، واستند رفض رجال الدين الإسلامي على أن عقد الزواج يجب أن يخضع إلى النص الــقــرآني وتــعــدد الـــزوجـــات لا يتعارض مع الإســلام والطلاق مسموح به في الدين الإسلامي وفق شروط القرآن.

أما بالنسبة إلى الكنيسة، فقد استند رفــضها إلى سببين، أولهما، لأن الــزواج في الكنيسة ليس عقدا بشروط دنيوية بــل هــو ســر مــن أســرارهــا بمعنى أنه يجب أن يتم بمباركة من رجــل الدين المسيحي. وثانيهما، أن الزواج في الدين المسيحي هو رابط أبدي لــذا لا يوجد طــلاق في الكنيسة الكاثوليكية وإنما إبطال زواج، مع العلم أن الكنيسة تعترف بالزواج المدني لغير المسيحيين.

وهــذا الــزواج ليس ممنوعا في لبنان فقط بل أيضا في الأردن وسوريا، وأمام هذا الواقع يلجأ الكثير من اللبنانيين إلى الزواج خارج لبنان. وتعتبر قبرص إحدى الدول التي يتوجه إليها اللبنانيون الراغبون في عقد هذا الزواج خصوصا إذا كان أحد الطرفين غير راغب في اعتناق دين الشريك الآخر.

الشروط التي تفرضها التشريعات الدينية قد تكون عقبة أمام بعض الرجال والنساء المنتمين إلى طوائف مختلفة والذين يريدون الزواج

ويذكر أنه لا يوجد في لبنان قانون موحّد للأحوال الشخصية، فلكل طائفة قوانينها الخاصة ومحاكمها الروحية والشرعية والمذهبية. ويستنتج من مختلف أحكام التشريعات لدى الطوائف اللبنانية، أن الزواج هو عقد ثنائي علني ذو صفة دينية، يتفّق فيه رجل وامرأة على الحياة معا بغية تكوين أسرة، ويختلف عن غيره من العقود لأن مفعوله لا ينحصر بطرفيه، بل هو نظام اجتماعي ذو قدسية خاصة، هدفه تكوين الأسرة والتناسل وتبادل التعاون في جو عائلي قوامه الحب والاستقرار والطمأنينة، وهو النطاق الوحيد للعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة تحت رعاية الشرائع السماوية. إلا أن الشروط التي تفرضها التشريعات الدينية قد تكون عقبة أمام بعض الرجال والنساء المنتمين إلى طوائف مختلفة، والذين يريدون الزواج، إضافة إلى صعوبة الطلاق لدى بعض الطوائف وكلفته الباهظة مما دفع بالبعض إلى اقتراح الأخذ بالزواج المدني بهدف إيجاد الحلول القانونية لتلك المشاكل.

وأقرّت معظم الدول الأجنبية وبعض الدول الإسلامية الزواج المدني، إما بشكل إلزامي أو بشكل اختياري، ويعتبر إلزاميا في كل من فرنسا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا والسويد وإيطاليا ورومانيا والنرويج وموناكو ولوكسمبورغ والبرازيل وأميركا اللاتينية وروسيا. لكنه يعتبر اختياريا في إنكلترا والولايات المتحدة الأميركية واليونان وأسبانيا.

أما القانون اللبناني، فلا يجيز عقد زواج مدني في لبنان، إلا أنه يعترف بالزواج المدني المعقود خارج الأراضي اللبنانية وعليه، فإنه لا يعتبر مخالفا للنظام العام.

وبما أنه عقد ثنائي، يجب أن تتوافر فيه الشروط القانونية العامة للعقود، وهي: الرضا والأهلية والموضوع والسبب والشكل في الحالات التي يفرضها القانون. إلا أن الطبيعة الخاصة لعقد الزواج المدني، تفرض شروطاً خاصة لكل ركن من أركان هذا العقد، إضافة إلى وجوب أن يكون معقوداً خارج الأراضي اللبنانية لكي يتم الاعتراف به وتسجيله في دوائر النفوس والأحوال الشخصية الرسمية في لبنان.

ويعتمد المشرع اللبناني من حيث المبدأ أحكام القانون الدولي الخاص مع مراعات استثناء الخصوصية اللبنانية من حيث كون نظام الأحوال الشخصية في لبنان هو نظام تعددي طائفي، فاستدرك عدم إخضاع المسلمين اللبنانيين لأحكام القرار عدد 60 تاريخ 1936 وتعديلاته. ويرى المختصون أنه لا يجوز أن يتم الاعتراف بالزواج المدني المعقود خارج لبنان ويتم تسجيله في قيود النفوس وسجلات الأحوال الشخصية اللبنانية، ويُحظّر عقد هذا الزواج على الأراضي اللبنانية.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها وقع وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل على تسجيل عقد زواج نضال درويش وخلود سكرية اول ثنائي لبناني افتتح هذا الزواج في 2012/1/10 في سجلات المديرية العامة للأحوال الشخصية مع التأكيد على ضرورة التنفيذ، بعدما كانت المديرية ردته في وقت سابق.

واشترط الوزير شربل عدم تغيير طائفتيهما والتزامهما باتباع قانون الأحوال الشخصية المعمول به في كل ما يتصل بمفاعيل هذا الزواج في حالات الإرث والطلاق والأولاد لأن لا وجود في القانون للطائفة 19 أي من "لا ينتمي إلى طائفة" وذلك ضمانا لحقوقهما وحقوق أولادهما إلى حين صدور قانون مدني للأحوال الشخصية ينظم الزواج المدني الاختياري وتبعاته.

21