لبنان: حين يتوحد الآذاريان

الثلاثاء 2015/02/03

من بين كل الأحداث التي شهدها لبنان في النصف الأخير من شهر يناير الماضي، تبقى عملية إقصاء حنا غريب عن قيادة هيئة التنسيق النقابية القضية الأهم، من زاوية كونها أكدت طبيعة القوى السياسية المسيطرة كافة، حيث توحدت جميعها لإسقاط أحد أبرز رموز العمل النقابي في لبنان.

هذه القوى السياسية، التي تَظهر في خندقين آذاريّيْن متقابلين تتناوشان في السياسة، لم يسبق لها أن أظهرت توحدا إلا على اغتصاب السلطة من خلال التمديد لولاية مجلسها النيابي، وعلى تقاسم مغانمها من خلال تشكيل ائتلافها الحكومي الذي أريد له أن يشغل مهام منصب رئيس الجمهورية الشاغر منذ أكثر من ثمانية أشهر، وعلى معاداة الحقوق المطلبية لمختلف الفئات الشعبية وقواها النقابية.

كان ائتلاف هذه القوى من جانبي الرابع عشر من آذار والثامن منه في لائحة مسيسة استهدفت إزاحة النقابي حنا غريب المشهود له بصلابة المواقف حيال المطالب النقابية، من موقعه في رابطة التعليم الثانوي وفي هيئة التنسيق النقابية، واستبداله بمن يلتزم بتوجيهات تلك القوى التي رفضت إقرار الحقوق التي لا يجرؤ أحد على نكرانها.

وحين نتذكر أن هيئة التنسيق النقابية استطاعت أن تخترق الحواجز السياسية الطائفية التي يسعى ائتلاف القوى السياسية المافيوية المسيطر إلى تعزيزها بين اللبنانيين، وأن تدفع كافة المتضررين من سياسات النهب والفساد إلى الخروج إلى الشارع على مدى سنوات ثلاث، متجاوزين الاصطفافات الطائفية والمذهبية التي أريد لهم أن يتخندقوا فيها، وأن مشاريع هذا الائتلاف المافيوي ستضاعف من أعداد المتضررين ما يقلص من القواعد الشعبية الممسوكة من تلك القوى، ندرك مدى خطورة وجود هيئة التنسيق النقابية على نظام سيطرة هذا الائتلاف واستمرارها على نهجها الذي يوحد المواطنين في وجه دولة النهب والفساد.

ورغم أن أحداثا عديدة أخرى برزت في نفس الفترة وكان لها النصيب الأكبر من التغطية الإعلامية والمناقشات السياسية، من المواجهات العسكرية بين الجيش اللبناني ومسلحي داعش في جرود رأس بعلبك على الحدود السورية، إلى اغتيال الطيران الاسرائيلي لمجموعة من قادة حزب الله والحرس الثوري الإيراني في القنيطرة في الجولان السوري، إلى الرد الذي أطلقه حزب الله على جيش الاحتلال في مزارع شبعا، إلى خطاب حسن نصرالله الأخير والردود التي أطلقت بالمقابل، فإن قضية إزاحة حنا غريب عن قيادة المشهد النقابي تبقى الأهم، كونها لا فقط قضية مطالب محقة، وليست فقط قضية تعرية لمواطن النهب والفساد المستشري في كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية في لبنان، بل أخطر من ذلك: كونها حققت الإنجاز الأهم في بث روح من الوحدة بدأ المواطنون يستشعرونها في حركتهم في الساحات والشوارع، وهذا الكم من الحرية والشعور بالقوة الذي إذا ما تعاظم فإنه سوف يجد لنفسه التعبير السياسي المناسب الذي سوف يهدد سيطرة هذا الائتلاف المافيوي.

كل الأحداث التي تخللها سقوط العديد من الضحايا لا تعدو أكثر من مشهدية كبرى لصراع مشاريع الهيمنة التي تغطي بغبارها على حقيقة الصراع الاجتماعي، لتمارس دور الجنود والوقود الذي يحترق كي تستمر وتتوسع سيطرة أعدائها الطبقيين. وهكذا نرى كيف انقلبت، بين ليلة وضحاها، جموع من المنددين بسلوك حزب الله حيال النقابي حنا غريب، إلى الهتاف لحزب الله ومقاومته بعد عمليتي القنيطرة ومزارع شبعا يرددون: “لبيك نصرالله”. لم تكن قضية إزاحة حنا غريب من موقعه النقابي بالنسبة لائتلاف مافيات السلطة في لبنان مسألة نقابية بل سياسية بامتياز. وهي من حيث أهميتها بحجم تشكيل حكومة تمام سلام الائتلافية وبحجم تمديد ولاية البرلمان.


كاتب لبناني

9