لبنان: دعشنة السنة مدخلا لعوننة البلاد

السبت 2015/08/15

قدم التحرك العوني الأخير في ساحة الشهداء هدايا ثمينة لتيار المستقبل. رفع متظاهرو ساحة الشهداء، البرتقاليون، أعلاما لتيار المستقبل اللبناني مكتوب عليها “الدولة الإسلامية إمارة لبنان”، وانتشرت صور تظهر مجموعة من الشباب العونيين وهم يدوسون على هذا العلم. لم تكن هذه الهستيريا سوى محاولة يائسة لخلق حالة دعشنة مستقبلية وسنية مشتهاة ولكنها اتخذت -وعلى العكس من طموحات أصحابها- طابع دعم دور وشرعية تيار المستقبل.

الأسئلة الداخلية والانتقادات الكثيرة التي كان من الممكن أن توجه لتيار المستقبل من قبل جمهوره، ومن قبل الرأي العام اللبناني لم تعد تمتلك أهمية خاصة. عاد الجمهور السني والمستقبلي للالتفاف حول قيادته بشكل قوي، يدل على ذلك ويؤكده نجاح التيار في لجم كل التحركات الغاضبة التي كانت تستعد للنزول إلى الشارع والاشتباك مع العونيين.

حققت الهستيريا العونية هدفا مغايرا ومناقضا لآمالها، وساهمت في إعادة تفعيل مفهوم الاعتدال السني الذي يمثله المستقبل، والذي بدا في الآونة الأخيرة مفتقدا للرونق والخطاب، فقد بات كافيا أن يكون النقيض التام لما تمثله العونية وما تسعى إليه كي يكون صاحب جدوى، وممثلا لشبكة كاملة من المعاني.

يمارس العونيون في الوقت الضائع اللعبة التي يوشك حزب الله على الخروج منها مهزوما ومثقلا بالجراح العميقة. ينسخ العونيون لعبة حزب الله، ويحاولون دعشنة السنة كمدخل لعوننة البلاد، لكنهم يتناسون ويهملون جملة من الوقائع التي تجعل حراكهم هذا أكثر انتحارية من حراك حزب الله الذي ينهلون من منهله.

تعلن الوقائع المستباحة أنه لا مجال للمقارنة بين حزب الله والتيار العوني لناحية القوة والقدرة على الحراك. الجميع يعلمون أن نشاط التيار العوني في كل هذه الفترة كان يتم تحت ظلال حزب اللـه ورعايته، فكيف يعتقد التيار، أو يؤمن، أنه قادر على النجاح في ما فشل فيه سيده الإلهي؟

يحاول التيار العوني منح زعيمه الجنرال ميشال عون هالة قداسة ما مماثلة لتلك التي يحيط بها جماعة حزب الله زعيمهم حسن نصرالله، فكما يمنح جمهور حزب الله السيد حسن نصرالله هالة من القداسة، فإن العونيين يسعون إلى تعميم المنطق نفسه. النائب العوني نبيل نقولا نشر صورة على مواقع التواصل الاجتماعي تبرز السيدة مريم العذراء وصورة الجنرال تحتل قلبها مكان السيد المسيح.

من هنا نفهم أن خطاب حقوق المسيحيين قد تحول بفضل منظومة القداسة المنسوبة للجنرال إلى خطاب حق المسيح. داعش يعلن أنه يعيد أسلمة المسلمين، وكذلك يفعل الجنرال حين يعلن أنه قد تقمص السيد المسيح، وأنه يقوم،الآن، بإعادة إنتاج مسيحية جديدة للمسيحيين لا يمكن أن تستقيم إلا في إطار الخضوع لسلطاته تحت طائلة الطرد من المسيحية كلها.

يستعد الجنرال لتوكيد قداسته عبر تعميدها بدماء مسيحيي لبنان ودماء مصيرهم ومستقبلهم، كما يفعل تنظيم داعش تماما بالسنة بشكل خاص. التنظيم المتطرف قام إبان سعيه المحموم لإعلان الخلافة بذبح آلاف المسلمين وتهجير مئات الآلاف منهم، وكانت حجته الأساسية في تبرير هذا العنف المفتوح هو نزع صفة الإسلام عنهم كي يصير دمهم حلالا وقابلا للإهدار المفتوح.

يتبنى الجنرال المقولة نفسها ويجهز نفسه للقداسة التي تشكل الأوهام الموازية لأوهام الخلافة من خلال جر المسيحيين إلى استعداء الأكثريات في المنطقة، وتحويلهم من شركاء فاعلين إلى مجرد أقليات مدمرة عابثة لا يمكن للدول أن تنمو وللتسويات أن تتم إلا باستئصالها. فكرة حماية حزب الله لهم والتي يروّج لها تصب في هذا الإطار، فهي تربط مصيرهم بمصيره، وتحملهم، تاليا، وزر الانغماس في الدم السوري.

“عوْنَنة” البلاد، كما يشتهيها الجنرال، لا تتم إلا بتحويل المسيحيين إلى قتلة متحالفين مع سائر القتلة الإلهيين والإيرانيين في المنطقة، لذا كان لا بد من “دعشنة” السنة كي يتحقق الانسجام التام بين مكونات الصراع، ويصبح المشهد موحداً وجاهزا لتتويج الجنرال ليس كمجرد رئيس للبلاد ولكن كصاحب لها.

لا يبدو أن عموم المسيحيين في لبنان بصدد التحول إلى قتلة، والأمر نفسه بخصوص عموم السنة. السؤال إذن هو ماذا سيفعل الجنرال، ومن أين سيستورد القتلة بعد الفشل في صناعتهم محليا؟

كاتب لبناني

9