لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!

الجمعة 2017/05/26

قد يكون قرار مجلس الوزراء اللبناني التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة قرارا إداريا صرفا، بيد أن أمر الاتفاق على حسم الجدل الذي أثير حول أمر هذا الموقع المالي السيادي لصالح التجديد، ينطوي على عبق سياسي صرف ليس بعيدا عن المزاج الدولي العام.

وُضع اسم الرجل على لائحة الرؤوس التي ستسقط اتساقا مع قواعد العهد الجديد برئاسة الجنرال ميشال عون. اعتبر البعض أن رياض سلامة (عيّن أول مرة عام 1993) ينتمي إلى عهد الحريرية السياسية في أوج انطلاقها وازدهارها أيام الرئيس الراحل رفيق الحريري، وأن انتخاب عون رئيسا للجمهورية، على الرغم من دعم الرئيس سعد الحريري لذلك، يبدّل من موازين القوى داخل الإدارة اللبنانية، لا سيما على رأس المصرف المركزي الذي يحدد السياسة النقدية للبلد كما قواعد العمل المصرفي العام.

بيد أن سلامة الذي يُشهد له بكفاءة عالية جنّبت لبنان أزمات مالية دولية (لا سيما تلك في 2007-2008) أطاحت باقتصادات دول كبرى، وبحنكة مالية سياسية واكبت أزمات البلد الخطيرة، تولى بشجاعة نادرة مواجهة ضغوط حزب الله حين بدأت العقوبات المالية التي فرضتها وزارة الخزينة الأميركية بمحاصرة منافذ الحزب المالية داخل النظام المصرفي اللبناني.

لا يملك رياض سلامة سقوفا محلية أو إقليمية دولية واضحة تحمي حراكه داخل فسيفساء لبنان المتمددة نحو دول المنطقة. ولم يعرف عنه أنه استند على ميليشيات عسكرية تحمي خياراته النقدية، أو تحمي جدران مصرفه المركزي. ينتمي الرجل إلى طينة من التكنوقراط ورجال الإدارة الكبار الذين مازالوا يعملون وفق قواعد وقوانين الدولة اللبنانية سواء ضعفت هذه الدولة أو قويت شوكتها. لكن سلامة، وبحكم موقعه الاستراتيجي الكبير، يعمل أيضا وفق فلسفة مازالت تعتبر أن للنظام المصرفي اللبناني تجربة مميّزة في العالم وسمعة لافتة لدى الأسواق الدولية، وأن سرّ صمود هذه “الماركة” اللبنانية يكمن، ورغم دخول لبنان حقب الحروب والزلازل الأمنية، في أنها مازالت تتوافق مع قواعد العمل المصرفي الدولي، وتطبق فورا أي تحديثات تقنية أو أمنية طرأت على التشريعات المصرفية في العالم.

وفيما زحف حزب الله، شيئا فشيئا، باتجاه الإمساك بمفاصل النظام السياسي اللبناني، وفيما سمح فائض قوته بمعاملة تفضيلية للأنشطة الاقتصادية الخاصة به وبدوائره داخل المطار وبعض مرافئ لبنان، وفيما تروّج حركة التهريب وفق ذلك عند هذه المعابر أو تلك، تمكن الحزب، وفق شروط القوة والهيمنة هذه، من اختراق النظام المصرفي اللبناني، فارتبطت الآلاف من الحسابات بأسماء تنتمي إلى الحزب أو قريبة منه لتمرير تدفقاته المالية، في الدخول والخروج، داخل مصارف لبنان، بما يمنحه شرعية مالية داخل نظام مصرفي محلي يعمل تحت سقف النظام المصرفي الدولي.

تنبهت واشنطن إلى أمر ذلك. لم تكن بيروت قادرة على الاعتراض قبل ذلك، ثم ما دواعي ذلك الاعتراض طالما أن البيئة الدولية لم تعترض، وطالما أن البيئة المصرفية المحلية مستفيدة بانتهازية، كما سبق لها الاستفادة بنفس الانتهازية من تدفقات مالية عربية وإقليمية كانت تجد لها ملاذا آمنا داخل نظام السرية المصرفية اللبناني غير المطبّق حتى لدى كبرى العواصم المالية في العالم.

لم تهدد العقوبات المالية الشبكة المالية لحزب الله فقط بل هددت النظام المصرفي اللبناني برمته. لم يكن الأمر تهويلا، بل إن الدعوى التي رفعتها الحكومة الأميركية (نوفمبر 2011) ضد مؤسسات مالية لبنانية مرتبطة بحزب الله، بما في ذلك البنك اللبناني- الكندي بتهمة تبييض أموال الاتجار بالمخدرات وغيرها من العائدات الجرمية عبر غرب أفريقيا ومن ثم إلى لبنان، أدت إلى اختفاء المصرف واندماجه تماما بمصرف “سوسييتيه جنرال”.

تنبّهت مصارف البلد إلى خطورة الأمر، وبات حجيج الوفود المصرفية والبرلمانية والوزارية إلى واشنطن من عاديات الأمور، وبات للمزاج الأميركي صدى داخل أروقة القرار في مصرف لبنان المركزي.

أدركت الطبقة السياسية اللبنانية في العامين الماضيين أن ارتباك مصارف لبنان يهدد اقتصاد البلد ومناعته المالية، حتى أن بعض الضجيج الأميركي أثار مؤخرا إمكانية أن تنال عقوبات واشنطن من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، قبل أن يُنفى رسميا هذا الاحتمال. فيما عكست عدم دعوة الرئيس عون لحضور قمم الرياض (بطلب أميركي وفق بعض التسريبات) مزاجا أميركيا جديا ضد حزب الله و“المبرّرين” له.

اعتبر حزب الله قبل عام أن مصارف لبنان تبالغ في التقيّد بقوانين العقوبات الأميركية. لم تكن تلك المصارف تتصرف إلا انصياعا للتعليمات الصادرة عن مصرف لبنان، وبالتالي الإذعان للقواعد التي يضعها حاكمُه رياض سلامة. لم يسكت الحزب وأطلق هجماته الإعلامية وشنّت كتلته البرلمانية (الوفاء للمقاومة) في يونيو 2016 هجوما معتبرة أن موقف حاكم مصرف لبنان “جاء ملتبسا ومريبا، وهو يشي بتفلّت السياسة النقدية من ضوابط السيادة الوطنية، ولذلك فإننا نرفضه جملة وتفصيلا. وعلى الجميع أن يدرك أن جمهور المقاومة ومؤسساته التربوية والصحية عصيٌّ على محاولات النَيل منه من أيّ كان مهما علا شأنه”.

لم يخترع سلامة النظام المصرفي الدولي ولا يملك التدخل في يومياته. توافد مبعوثو واشنطن ومسؤولو وزارة الخزينة لإطلاعه على التشريعات الأميركية الجديدة، فإما احترامها، كما هي محترمة في كافة المراكز المالية في العالم، وإما التمرد عليها والخروج من النظام المصرفي الدولي.

عوّلت إيران كثيرا على الاتفاق النووي لإطلاق عجلة الوصل مع الاقتصاد العالمي. بدا أن دولا صناعية كبرى عوّلت أيضا على هذا الحدث لولوج السوق الإيراني. بيد أن تفصيلا تقنيا صغيرا حال ومازال يحول دون ذلك.

لم تسمح واشنطن، وفق نظام العقوبات الذي تعتمده ضد طهران، للنظام المصرفي العالمي بإعادة الوصل مع النظام المصرفي الإيراني. حاول وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مع نظيره الأميركي السابق جون كيري القفز نحو الملف المصرفي قبل إنجاز التوافق على ملفات الخلاف دون جدوى.

لم يستطع نظام الولي الفقيه في إيران مواجهة النظام المصرفي الدولي، بيد أن حزب الله طالب مع ذلك بتمرد النظام المصرفي اللبناني على القواعد المصرفية المعمول بها في العالم أجمع وعدم التقيّد بقوانين واشنطن المصرفية.

شهدت اجتماعات مسؤولي الحزب بحاكم مصرف لبنان توترا لم ينفع معه فائض القوة للحزب، الذي، بالمناسبة، كان ومازال مهيمنا على التشكل الحكومي اللبناني وبيده مصير ومستقبل رياض سلامة على رأس مصرف لبنان. وحين لم يفهم سلامة لغة تلك الاجتماعات، انفجرت قنبلة صوتية (يونيو 2016) على أبواب مصرف بلوم بنك في شارع فردان في قلب العاصمة بُعيد إطلاق كتلة الحزب البرلمانية هجومها عليه، لعل الرجل يفهم بالنار ما لم يفهمه من خلال البيانات والتصريحات الإعلامية.

تجددُ الحكومة اللبنانية، التي يشارك حزب الله فيها، لرياض سلامة حاكما لمصرف لبنان. شنّت وسائل إعلام قريبة من الحزب هجمات ضد سلامة قبل أسابيع، ثم أعاد الحزب تثبيته قبل أيام من داخل الحكومة في موقعه ليس إيمانا بفرادة وكفاءة الرجل، بل لأن الحزب خاسر في تلك المعركة.

في لبنان من يعتبر أن بيروت أصغت جيّدا لقمم الرياض واستنتجت برشاقة تحوّلات النظام الدولي برعاية سيد البيت الأبيض الجديد، واستسلمت مجتمعة لبقاء سلامة في موقعه مدافعا عن النظام المالي اللبناني، حتى بالتقيد الكامل بمنظومة العقوبات المالية الأميركية ضد حزب الله.

قررت بيروت التجديد لرياض سلامة الذي يحكم مصرف لبنان منذ حوالي 24 عاما صونا لمقاربة يمثلها شخص الرجل تحمي سمعة البلد المصرفية وتصون الليرة اللبنانية التي لطالما سهرت استراتيجيات سلامة وخياراته على استقرارها وحمايتها من سقوط قد يشبه الاندثار.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

9