لبنان.. فرض الخرافة علاجا بقوة السلاح

لبنان اليوم تحت احتلال مقيت يقوم على الخرافة ولا يستمر إلا بتعميم الجهل والتخلف. احتلال إيراني بصبغة دينية وبأداة عسكرية محلية اسمها حزب الله.
الجمعة 2020/03/13
كورونا سياسية متفشية

أعلنت منظمة الصحة العالمية عن تحول وباء الكورونا المستجد إلى جائحة عالمية بعد أن توسع انتشار الوباء ليشمل غالبية بلاد العالم التي تشهد تزايدا مطردا في أعداد المصابين وفي أعداد من قتلهم المرض.

وفي وقت تعلن فيه دول كثيرة عن إغلاق منافذها البرية والبحرية والجوية مع البلدان الموبوءة، هبطت الأربعاء طائرة إيرانية في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت وعلى متنها 150 راكبا قدموا من إيران حيث تفشى الوباء بشكل كارثي إلى درجة أن السلطات الإيرانية نفسها منعت التنقل بين أقاليمها.

لبنان الذي تلقّى أولى إصابات كورونا في العشرين من شهر فبراير عبر طائرة قادمة من إيران، وكرّت السبحة ليصير عدد المصابين القادمين من إيران أو المحتكين بهم بالعشرات، أعلن الأربعاء، على لسان رئيس الحكومة، وقف استقبال الطائرات القادمة من البلدان الموبوءة. لكنه استدرك مُفسحا في المجال أمام “اللبنانيين” الذين يرغبون بالعودة إلى بلادهم لأربعة أيام إضافية وذلك لاستقبال مزيد من الطائرات الإيرانية ربما بناء على طلب حزب الله. إذ لم يكن استقبال الطائرات القادمة من إيطاليا وسواها من البلدان الموبوءة إلا غطاء لاستمرار الرحلات الكثيفة القادمة من إيران.

لقد انتقل حزب الله من كونه شريكا مهيمنا وراعيا وحاميا لمنظومة النهب المسيطرة على لبنان، إلى كونه مسيطرا وحيدا عليها وعلى البلاد من وراء حكومة تخضع له وتلعب دور أكياس الرمل في تلقي ردود فعل الناس على القرارات التي يتخذها الحزب وتعلنها وتنفذها، إلى درجة تسمح بالقول إن لبنان يقع بالكامل تحت الاحتلال الإيراني عبر وكيله الشرعي حزب الله، وأن حكومة حسان دياب تلعب الدور الذي لعبته حكومة فيشي في فرنسا أثناء الاحتلال النازي.

هبطت الطائرة الإيرانية فاستقبلها في المطار مجموعة من حزب الله. الركاب المئة والخمسون نُقلوا من المطار بسيارات رباعية الدفع تابعة للحزب إلى جهة مجهولة. لم يكن لأمن المطار أو لموظفي وزارة الصحة أي دور في تأمين الركاب أو معرفة حالاتهم الحقيقية. ولم يكن للإعلام أي دور في تغطية الحدث، أي إنه لم يسمح له بذلك. أما ردود أفعال اللبنانيين على الحدث فكانت في غالبيتها تتوجه إلى وزير الصحة وإلى الحكومة.

ليست هي المرة الأولى التي أدار فيها حزب الله مسألة استقبال الطائرات الإيرانية الوافدة إلى مطار بيروت. في مرات سابقة حاولت إحدى مراسلات التلفزيون الحديث إلى الركاب فتعرّض لها أحد عناصر الحزب بالتعدّي وانتزع منها هاتفها ومسح ما قامت بتسجيله. وفي مرة أخرى تعرّض أحد عناصر الحزب لأحد ضباط الأمن واعتدى عليه، فما كان من قيادة أمن المطار إلا أن نقلت الضابط إلى موقع آخر.

وبالأمس اتخذت حكومة دياب قرارا بإغلاق المعابر غير الشرعية بين لبنان وسوريا. هذه المعابر التي كثر عنها الحديث خلال السنوات الماضية كونها معابر لتهريب البضائع بحيث تكبّد الموازنة خسائر بمئات ملايين الدولارات من جهة، وكونها تؤدي إلى منافسة غير مشروعة مع البضائع المحلية فتوقع خسائر فادحة بالمزارعين والصناعيين والتجار المحليين. لم تتمكّن الحكومة والأجهزة الأمنية والجيش اللبناني طيلة سنوات من إغلاق تلك المعابر. بالأمس، وخلال ساعات معدودة أغلقت تلك المعابر بالكامل. من أعطى الإذن هو من سبق له أن منع. ومن منع هو المستفيد من إحداث هذه المعابر واستثمارها في نقل السلاح والمسلحين والجثامين بين لبنان وسوريا، أي حزب الله. حزب الله هو من يمنع إغلاق المعابر وهو من سمح بإغلاقها، فبيده القرار كله.

ثار اللبنانيون في 17 أكتوبر بعد أن أغلقت في وجوههم سبل الحياة، لكنهم، وإن كانوا قد رفعوا شعار “كلن يعني كلن” فإنهم لم يكونوا في وارد الصدام مع حزب الله الذي واجههم برفض صارم لأهداف ثورتهم. اليوم يضعهم الحزب في مواجهة هذه الحقيقة حين لم يعبأ بأمنهم الصحي وأدخل إليهم الوباء جهارا نهارا ليفتك بصحتهم الجسدية والنفسية خدمة لأهداف السيطرة الإيرانية في لبنان والمنطقة. وهذا ليس بغريب على من رمى في المقتلة السورية آلاف الشباب اللبنانيين ليعودا منها جثثا.

أما الأشدّ بشاعة فهو سلاح قديم جديد يستخدمه حزب الله في استلاب الوعي الجمعي لدى اللبنانيين والترويج لحالة الإنكار ونزعة الاستخفاف بالوباء، ومن خلال الترويج للخرافة وتعميم الجهل والتخلّف. إذ لم تكن مهزلة العلاج بماء تراب مار شربل التي أثيرت قبل أيام عبر حلفائه في التيار الوطني الحر (العوني) إلا من إبداعات حزب الله ذاته الذي جيّش ذبابه الإلكتروني ليعمّم كلاما بائسا حول قُدسية المراقد في إيران، والتي لا يمكن إلا أن تكون دواء شافيا وليس مبعثا لانتشار الأوبئة، رغم أن السلطات الإيرانية حجرت على تلك المراقد. وما شهدناه في أشرطة مصوّرة روّج لها الذباب الإلكتروني التابع للحزب في لبنان والعراق عن قوة التصدي للوباء بالإنكار وعلى قاعدة أن العنفوان أقوى من المرض “نلبس عيب.. كمامات” يؤكد ذلك.

لبنان اليوم تحت احتلال مقيت ينبغي أن يرتقي بالانتفاضة إلى مقاومة وطنية شاملة لمواجهته وهزيمته وتخليص البلاد والشعب كله من وبائه. احتلال يستهين بالأمن الصحي للمجتمع كله، حتى بصحة أولئك الذين يستخدمهم في تثبيت وجوده. احتلال يقوم على الخرافة ولا يستمر إلا بتعميم الجهل والتخلّف، احتلال إيراني بصبغة دينية وبأداة عسكرية محلية اسمها حزب الله.

8