لبنان في الطريق المسدود…

عاجلا أم آجلا، سيتبيّن أن لبنان عاجز عن التعاطي مع صندوق النقد الدولي. مثل هذا العجز في غاية الخطورة على مستقبل البلد. هذا يعود إلى أن كل الأبواب الأخرى مسدودة أيضا في وجه لبنان.
الجمعة 2020/05/15
أزمات متراكمة

من الضروري تبسيط الأمور لبنانيا. مثل هذا التبسيط يؤكد أن البلد ذاهب إلى الخراب في ظلّ حكومة لا تمتلك أي رؤية من أيّ نوع من جهة، فضلا عن أنّها عاجزة عن القيام بالإصلاحات المطلوبة من جهة أخرى.

في النهاية، ذهبت الحكومة إلى صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على دعم مالي يمكّن لبنان من استيراد المواد الضرورية التي هو في حاجة إليها. كان “حزب الله” الذي شكّل الحكومة الحالية برئاسة حسّان دياب معارضا للذهاب إلى صندوق النقد. اكتشف أن ليس أمام البلد سوى الصندوق. إذا به الآن يتحدّث بلسان أمينه العام عن “شروط”. من لديه شروط من أيّ نوع لا يذهب أصلا إلى صندوق النقد. من هذا المنطلق، يبدو ضروريا أكثر من أيّ وقت الاعتراف بأنّ صندوق النقد الدولي ليس جمعية خيرية، وأنّ لبنان في طريق مسدود.

بدل إضاعة الوقت والتوجّه إلى الصندوق، يفترض في الحكومة أن تسأل نفسها أوّلا هل هي قادرة على إجراء الإصلاحات المطلوبة منها بشكل ملحّ؟

لا شكّ أن عامل الوقت ثمين. لكن الحكومة الحالية لم تفعل منذ تشكيلها قبل مئة يوم سوى إضاعة الوقت بدل أن تسأل نفسها عن كيفية البحث عن معجزة تؤدي إلى إيجاد مخرج من حال الانهيار. لعلّ السؤال الأوّل الذي يُفترض في هذه الحكومة أن تطرحه قبل غيره مرتبط بملف الكهرباء والهدر الذي عمره ما يزيد على عشر سنوات. هناك مليارات الدولارات تسببت بها الكهرباء والبواخر التركية المستأجرة وصفقات الفيول. ألا تستحق الكهرباء التي يتولّى ملفها، منذ ما يزيد على عشر سنوات، “التيار الوطني الحر” الذي يترأسّه جبران باسيل، سؤالا بسيطا يتعلّق بالهدر الناجم عن هذا القطاع؟

كانت هناك محاولة جدّية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في السنة 2018 عندما انعقد مؤتمر “سيدر” في باريس. كان ذلك في شهر نيسان – أبريل من تلك السنة، قبل شهر واحد من أجراء انتخابات نيابية أسفرت عن حصول “حزب الله” على أكثرية برلمانية مكنته من إيجاد شرعية لنفوذه الذي كان يمارسه عن طريق سلاحه المذهبي غير الشرعي. هذا السلاح الذي نفّذ غزوتيْ بيروت السنّية والجبل الدرزي في أيّار- مايو من العام 2008.

أرادت فرنسا مساعدة لبنان من منطلق حرصها على البلد، معتمدة على العلاقة الخاصة التي تربط بينها وبين سعد الحريري رئيس مجلس الوزراء وقتذاك. لم يحصل أي تقدّم على صعيد تطبيق مقررات “سيدر”. هل لدى رئيس الجمهورية ميشال عون أو رئيس الحكومة الحالي ما يكفي من الجرأة للتساؤل ما الذي حال دون تنفيذ أي بند في “سيدر” الذي يعني أوّل ما يعنيه القيام بالإصلاحات المطلوبة من جهة، وإيجاد شراكة بين القطاعين الخاص والعام من جهة أخرى.

من وضع كلّ العراقيل في وجه “سيدر” الذي كان سيمكن لبنان من الاستفادة من أكثر من عشرة مليارات دولار لتنفيذ مشاريع معيّنة ولكن بإشراف أوروبي هو “حزب الله. وقف “حزب الله” عقبة في وجه القيام بأي إصلاحات. بقي “سيدر” حبرا على ورق. ما قاله أخيرا الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصرالله، عن رفض أي رقابة دولية على الحدود بين سوريا ولبنان لمنع التهريب يؤكّد أن لبنان لن يُقْدم على أي خطوة في اتجاه الخروج من المأزق الذي غرق فيه.

الحلول البعيدة
الحلول البعيدة

ليس لبنان سوى “ساحة” تستخدم في خدمة سياسة إيرانية تقوم على استنزاف الاقتصاد اللبناني كي يبقى بشّار الأسد في دمشق. لم تأخذ إيران علما بعد أن هذا النظام انتهى منذ فترة طويلة وأنّه جزء من الماضي ولن ينقذه التهريب لا من لبنان ولا من غير لبنان. كلّ ما يمكن أن يؤدي إليه بقاء معابر التهريب مفتوحة هو تحميل لبنان أعباء لا يستطيع تحمّلها.

عاجلا أم آجلا، سيتبيّن أن لبنان عاجز عن التعاطي مع صندوق النقد الدولي. مثل هذا العجز في غاية الخطورة على مستقبل البلد. هذا يعود إلى أن كل الأبواب الأخرى مسدودة أيضا في وجه لبنان. سدّها “حزب الله” منذ فترة طويلة بتهجمه على العرب الذين كانوا على استعداد لمساعدة البلد، وتسببه بعقوبات أميركية على المصارف اللبنانية. فرضت هذه العقوبات إغلاق “جمال تراست بنك” قبل بضعة أشهر. إضافة إلى ذلك، أدّت سياسات “حزب الله”، خصوصا في سوريا، إلى انتصار مدرسة أميركية تدعو إلى نسيان شيء اسمه لبنان وأهمّية الاستقرار فيه بعدما صار البلد مجرّد “ساحة” إيرانية…

لم يعد لبنان يهمّ أحدا. أساء البلد إلى نفسه بنفسه بعد تحوّله إلى امتداد لـ”جبهة الممانعة” التي يبذل العراق جهودا جبّارة في محاولته الخروج منها واستعادة دوره الطبيعي في المنطقة. رفع العراقيون أخيرا شعار “العراق أوّلا”. ظهر ذلك واضحا من خلال التحرّك الشعبي المستمر منذ تشرين الأوّل – أكتوبر الماضي، وهو تحرّك أطاح بحكومة عادل عبدالمهدي وأوصل إلى حكومة مصطفى الكاظمي التي لم تكتمل بعد، لكن يبدو أنّها تعرف ما الذي تريده. تريد ألّا يكون العراق ساحة لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإيران. أي أن يحافظ العراق على مصالحه قبل أي شيء آخر.

رفع اللبنانيون شعار “لبنان أوّلا”. أخرجوا الجيش السوري من أرض بلدهم في العام 2005. متى يتخلّصون من الوصاية الإيرانية التي حلّت مكان الوصاية السورية؟ متى يستوعبون أن مستقبل بلدهم على المحكّ، وأنّ لا وجود لخطّة بديلة عن الاستعانة بصندوق النقد، على حد تعبير السفير الفرنسي في بيروت، برونو فوشيه، بعد اجتماعه برئيس مجلس النواب نبيه برّي حديثا.

الحق مع السفير الفرنسي. لكن الاتفاق بين لبنان وصندوق النقد مهمة مستحيلة في بلد يعيش في عالم آخر، عالم مرتبط بأوهام من نوع أنّ النظام السوري الذي تأسس في العام 1970 لا يزال حيّا يرزق، في حين أنّه نظام أكل الدهر عليه وشرب. نظام غارق في أزمات لن يستطيع الخروج منها يوما.

أسوأ ما في الأمر أنّ لبنان تحوّل مكانا تصدّر إليه أزمات النظام السوري، في غياب قيادة سياسية ترفض الاعتراف بأن لا مصلحة للبنان سوى بأن يكون في منأى عن أزمات سوريا. لماذا لا يستفيد لبنان من الذي حصل في العراق حيث تجري عملية إزالة لصور قاسم سليماني من الأماكن والمؤسسات الرسمية؟ ولكن ما العمل عندما يعيش البلد في ظل “حكومة حزب الله” في “عهد حزب الله”…

8