لبنان في فوهة خطر تنظيم "الدولة الإسلامية"

الاثنين 2014/09/01

أدى زحف تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف إعلاميا باسم “داعش”، إلى تسليط الأضواء الدولية على كلّ من سوريا والعراق، خاصةً بعد استيلاء التنظيم على أراضي شاسعة في كلا البلدين. وعلى الرغم من أن لبنان لا يزال بعيداً عن الأنظار، إلا أن انتشار الطائفية وغياب الاستقرار فيه يتركانه عرضة لهذا الخطر المتنامي في المنطقة.

وقد كانت لغياب الوحدة الوطنية نتائج كارثية على لبنان. فلم تتخطَّ البلاد حتى الآن العواقب الوخيمة التي ترتبت عن الحرب الأهلية الدموية (1975 – 1990) التي استغل خلالها بعض اللاعبين الإقليميين الانقسامات الطائفية فيه من أجل تثبيت مصالحهم السياسية الخاصة. فعلى سبيل المثال، دخل الجيش السوري لبنان تحت ذريعة مساعدة المسيحيين الموارنة في بادئ الأمر، فيما استغلت إيران ظاهرة تهميش الشيعة والاحتلال الإسرائيلي لتنشئ ميليشيا “حزب الله” الشيعية. وثمة احتمال كبير بأن يستغل تنظيم “داعش” فشل الدولة اللبنانية في معالجة الانقسامات الطائفية العميقة، تماماً كما فعل في كلّ من العراق وسوريا. لقد أخذت الشكاوى أو المظالم السنية بالازدياد في لبنان بسبب انخراط “حزب الله” في الحرب السورية، فضلاً عن السياسات مزدوجة المعايير التي تنتهجها الحكومة. فعلى سبيل المثال، أعرب بعض السنة عن اعتراضاتهم على “التوقيفات العشوائية” لأبناء الطائفة السنية في مدينة طرابلس الشمالية، مما دعا النائب في “تيار المستقبل”، محمد كبارة، إلى القول بأنّ “استمرار الاضطهاد الأمني للطائفة السنية سيؤدي إلى ردود فعل غير محسوبة النتائج”.

تجدر الإشارة إلى أنّ لبنان يأوي أيضاً أعدادا ضخمة من اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وغالبيتهم من الطائفة السنية. وقد عانى الفلسطينيون طويلاً من الإذلال والتهميش في ظل النظام السياسي اللبناني. وكنتيجةً لذلك ازدادوا تأثراً بالعقيدة “الإسلاموية”. فالاشتباكات التي وقعت في عام 2007 بين “الجيش اللبناني” وتنظيم “فتح الإسلام” المتفرع عن تنظيم “القاعدة”، في مخيم “نهر البارد” لللاجئين الفلسطينيين، هي دليل على قدرة الحركات الإسلاموية على بسط سيطرتها على المخيمات. وعلاوة على ذلك، يُظهر الفلسطينيون عداءً أكبر تجاه “حزب الله” لأنه يحارب إلى جانب النظام السوري. ومن خلال محادثات خاصة أجريتها مع بعض الشباب الفلسطينيين الذين يتعرضون باستمرار للمضايقة من قبل “حزب الله”، تلمست شعوراً متنامياً بالكراهية تجاه الحزب الشيعي، واستياءً تجاه اللبنانيين الشيعة بشكل عام. ومن السذاجة الاعتقاد أنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” لم يلاحظ هذه المواقف، ومن المؤكد أنه سيستغلها لصالحه، وقد يكون قد بدأ بالفعل في تنفيذ ذلك.

ومن المؤكد، في هذا السياق، أنّ الاشتباكات الخطيرة التي وقعت في عرسال لن تكون المحاولة الأخيرة لـ “الدولة الإسلامية” لدخول لبنان. وإذا ما نجحت خطوتها التالية، من المحتمل أن تصل إلى مأزق عسكري مع “حزب الله” على طول الحدود الطائفية القائمة -كما رأينا في العراق وسوريا- وربما ستسيطر على بعض المعاقل السنية. وإذا ما حدث ذلك، سينقسم لبنان طائفياً، وستعود كل طائفة إلى مناطقها التقليدية للتصدي للهجومات المحتملة، ومن المرجح أن يشكل ذلك نهاية مؤسفة للبنان كدولة.

من جهة أخرى، من غير المرجح أن يرضخ سنّة لبنان وقياداتهم لتنظيم “الدولة الإسلامية” من باب الاقتناع بأيديولوجيته، إلاّ أن الاحتياجات العملية قد تطغى على الأيديولوجية. فالنقص في الإمدادات والذخائر قد دفع العديد من الثوار السوريين إلى تغيير ولائهم، بينما أقر آخرون أنّ إحباطهم في ساحة المعركة قد يدفعهم إلى الانضمام إلى “داعش”. وبدافع اليأس والعنف الطائفي، من الممكن أن نشهد قريباً منحىً مماثلاً لدى بعض السنة في لبنان.

وإذا واصل لبنان تهميش السنة، فسيقوم تنظيم “الدولة الإسلامية” بتكرار نهج “حزب الله” تجاه الشيعة اللبنانيين. كما سيعمل على استغلال غياب الدولة اللبنانية ويؤمّن الحماية المسلحة ومجموعة واسعة من الخدمات الاجتماعية لبعض السنة مقابل خضوعهم له تماماً.

باختصار، فإنّ لبنان في خطر كبير من أن يصبح الضحية المقبلة لـ “الدولة الإسلامية”، وما حدث في بلدة عرسال الحدودية يعتبر عيّنة عمّا قد ينتظر البلاد.

باحث حائز على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي

6