لبنان في قلب التعقيدات الإقليمية

الثلاثاء 2014/10/14
احتجاجات ضد التعامل المسيء للاجئين السوريين في لبنان

بيروت - رغم أن لبنان استطاع حتى الآن تجنّب حدوث انهيار اقتصادي وأمني شامل منذ بدء الأزمة السورية، إلا أنه لا يزال في قلب الخطر. وهذا الخطر يرى أربعة خبراء مختصّين في الشأن اللبناني، في دراسة صدرت عن مؤسسة كارنغي، أن سببه أربعة تحديات رئيسية هي: سياسة مختلة واقتصاد تحت الضغط وغياب سياسة للتعامل مع اللاجئين السوريين وتهديدات تنظيم الدولة الإسلامية في عرسال وعلى الحدود اللبنانية السورية.

على الرغم من أن لبنان استطاع حتى الآن تجنّب حدوث انهيار اقتصادي وأمني شامل منذ بدء الأزمة السورية، إلا أنه لا يزال يعاني من مشاكل أساسية. فقد سلّطت الأزمة في سوريا الضوء على مكامن الخلل الوظيفي في العملية السياسية في لبنان الذي لا يزال دون رئيس دولة منذ أربعة أشهر.

ووسط الأزمة السياسية، تدخل على الخط أزمة اقتصادية فاقمها دخول أكثر من 1.1 مليون لاجئ سوري إلى لبنان بمزيد من الضغوط على الاقتصاد. والأكثر إثارة للقلق، أن الحكومة لم تضع إستراتيجية واضحة لمعالجة هذه الموجة من اللاجئين.

وفي قمّة الاضطرابات، تأتي سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على بلدة عرسال عند الحدود اللبنانية لفترة قصيرة، الشهر الماضي، وسط خشية من أن يحقق التنظيم المتطرف مزيدا من الاختراق داخل الطائفة السنية التي يتفاقم شعورها بالغربة عن العملية السياسية في البلاد.


كيف فاقمت السياسة المختلة الأزمة؟


التحدي الأول، وهو في نفس الوقت السبب الأول للخطر المحدق بلبنان بسبب ما يجري في سوريا والمنطقة الإقليمية عموما، يكمن فيما وصفه الباحث أيمن مهنا بـ”السياسة المختلة”.

يرى أيمن مهنا، مدير مؤسسة سمير قصير في بيروت، أن السجال حول سلسلة الرتب والرواتب وطريقة التعاطي مع تداعيات الحرب السورية يُقدّم مثالَين أساسيين عن فشل الحكومة اللبنانية في التخطيط إلى الأمام. فالسياسات الكبرى التي من شأنها أن تؤثّر في حياة اللبنانيين والسوريين لعقود طويلة، تُقرَّر على عجل، إما لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة النظر أو ردا على مستجدات دراماتيكية.

ولئن نجحت الطبقة السياسية اللبنانية حتى الآن في تجنّب انهيار تام للوضع الأمني والاقتصادي في لبنان، يبقى أسلوبها في إدارة السياسة غير قابل للاستدامة، وفق أيمن هنا، الذي يشير إلى أن القادة اللبنانيين يتجاهلون المشاكل الأساسية التي تعاني منها البلاد أملا في أن تتقدّم المفاوضات بين الجهات الإقليمية الراعية للأفرقاء السياسيين اللبنانيين، بما يؤدّي إلى الحد من التشنّجات السياسية وإيجاد حل سحري لكل المسائل العالقة. من شأن مثل هذه الصفقة أن تقود إلى انتخاب رئيس، لكنها لن تساهم في سد العجز المتنامي في الموازنة ولا في إيجاد مخرج للمأزق السياسي ومواجهة التحديات الكثيرة التي يتسبّب بها وجود أكتر من 1.1 مليون لاجئ سوري مسجّل في لبنان.

ممارسات داعش أثارت مخاوف لدى عدد كبير من اللبنانيين الذين يخشون على أمانهم في حال أصبح للتنظيم موطئ قدم دائم في لبنان


ما هو تأثير الأزمة على الاقتصاد؟


يواجه الاقتصاد اللبناني تهديدا كبيرا، فللعام الثالث على التوالي، يسجّل الدين العام اللبناني زيادة تتخطى إلى حد كبير النمو الاقتصادي الفعلي. فقد ازداد الدين العام بنسبة 10.1 في المئة عام 2013، في حين أن النمو الاقتصادي لم يتجاوز 1.5 في المئة. وهذا مؤشر سيء، وفق سامي نادر. ويرى الخبير اللبناني أن ثمة حاجة ملحة إلى تحرّك جذري على مستويات الحكومة كافة من أجل تغيير هذه النزعة، وكبح العجز في الموازنة، واستخدام إستراتيجيات فعالة للنمو.

أما الأسباب الرئيسة للأزمة الاقتصادية فتعود بشكل أساسي إلى تدهور الوضع الأمني جراء الأزمة السورية والشلل السياسي وتعطيل المؤسسات العامة، وغياب السياسة الجامِعة، وعدم تطبيق الإصلاحات التي تشكّل حاجة ماسة.

وصلت تداعيات الأزمة السورية في لحظة حرجة بالنسبة إلى لبنان. فلا اقتصاده ولا بنيته التحتية الضعيفة قادران على الصمود من هذا العبء الذي يضاعف حمله عدد اللاجئين السوريين المسجّلين في لبنان والذين قدّروا بحوالي 1.1 مليون نسمة، أي ما يتراوح بين ربع وثلث الشعب اللبناني.

إلى جانب التكاليف الباهظة التي تترتّب على الاقتصاد اللبناني، يُهدّد هذا الأمر النسيج الاجتماعي الهش في البلاد. ولعل ما قاله رئيس البنك الدولي يعطي صورة عن هذا الواقع، فقد شبّه تدفّق اللاجئين، في زيارة له إلى لبنان في وقت سابق هذا العام، بتوافد جميع سكان المكسيك إلى الولايات المتحدة على امتداد ثلاث سنوات.

يضع هذا كله الاقتصاد اللبناني أمام آفاق قاتمة. السبيل الوحيد كي يواجه لبنان هذه القتامة، وفق سامي نادر، هو فرض إجراءات أمنية أفضل وتطبيق سياسة جامِعة وتنفيذ إصلاحات استهدافية.

لكنه يستطرد قائلا، إن كل هذه الأمور تبدو خارج متناول المؤسسة السياسية في لبنان التي ينبغي عليها أن تنأى بنفسها عن الاضطرابات الإقليمية وتركّز على الحد من تفشّي التعصّب المذهبي في الداخل.


كيف أثر لاجئو سوريا في أزمة لبنان؟


على غرار الخبيرين السابقين، يرى كريم شاهين، أن اللاجئين السوريين أصبحوا يمثّلون ضلعا هاما من أضلاع الأزمة في لبنان، الذي أصبح ضحية العجز الحكومي المستمر منذ ثلاث سنوات وغياب الإستراتيجية اللازمة للتعامل مع تدفّق اللاجئين السوريين.

تحديات رئيسية يواجهها لبنان
سياسة مختلة

اقتصاد تحت الضغط

اللاجئون السوريون

تهديدات تنظيم الدولة الإسلامية

نتج عن ذلك، وفق تحليل كريم شاهين، أزمة أنهكت البنى التحتية للبلاد وهي تهدد اليوم بانهيارها، ووضعت اللاجئين في منافسة مع اللبنانيين الفقراء وتسبّبت في مجموعة من المتاعب الأمنية.

يضم لبنان أكثر من 1.1 مليون لاجئ سوري مسجّل، نصفهم تقريبا هم دون سن الثامنة عشرة. أربعة من أصل خمسة أطفال لاجئين هم خارج المدرسة مع انطلاق السنة الدراسية. وباتت أعداد اللاجئين كبيرة جدا إلى درجة أن عدد سكان لبنان يتجاوز العدد المتوقع لسنة 2050، بحسب أنطونيو غوتيريس، المفوّض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

يرصد كريم شاهين معاناة اللاجئين مشيرا إلى أن اللاجئين السوريين حُمِّلوا مسؤولية الأحداث الأخيرة في البلاد، وأبرزها سيطرة مقاتلين يعلنون ولاءهم لجبهة النصرة والدولة الإسلامية، لفترة وجيزة على بلدة عرسال السنية في الشمال الشرقي، على مقربة من الحدود مع سوريا.

ووسط تدفّق اللاجئين، يعاني هؤلاء واللبنانيون على حد سواء من العجز الحكومي منذ سنوات. حيث أدّى الارتفاع الشديد في أعداد سكّان لبنان إلى إلقاء عبء ثقيل على شبكته الكهربائية، ما تسبّب بزيادة كبيرة في ساعات التقنين.

أسوأ من ذلك، يعيش 85 في المئة من اللاجئين السوريين وسط شريحة الثلثين الأشد فقرا بين اللبنانيين- ولجأ الفلسطينيون الهاربون من العنف في سوريا إلى المخيّمات الفلسطينية في لبنان ليزيدوا من الاكتظاظ في تلك المخيّمات التي تعاني أصلا من الفقر والكثافة السكانية العالية.

جاءت مبادرات الحكومة اللبنانية متأخّرة من خلال اتخاذ إجراءات مؤقتة منها التشدّد في ضبط الحدود ونزع صفة اللجوء عن السوريين الذين يعودون إلى بلادهم بدافع الزيارة. لكن هذه الإجراءات، حسب كريم شاهين، ليست كافية لمعالجة التشنّجات والتداعيات الأمنية والاقتصادية الناجمة عن أزمة اللاجئين غير المسبوقة.

أكثر من 1.1 مليون لاجئ سوري مسجّل في لبنان نصفهم تقريبا هم دون سن الثامنة عشرة


ما هي تداعيات أحداث عرسال؟


الضلع الأخير في مربع الأزمة اللبنانية التي تسببت فيها الأزمة السورية، هي تهديدات تنظيم الدولة الإسلامية، أو ما أطلقت عليه الباحثة مهى يحي “مرحلة ما بعد عرسال”. أين تشير الباحثة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إلى أن ممارسات “داعش” أثارت مخاوف وجودية لدى عدد كبير من اللبنانيين، لاسيما المسيحيين منهم الذين يخشون على أمانهم في حال أصبح للتنظيم موطئ قدم دائم في لبنان. وقد اتّخذت بعض البلدات إجراءات بنفسها لفرض الأمن الذاتي.

ويدفع اللاجئون السوريون ثمن المخاوف التي أثارتها أحداث عرسال لدى الرأي العام اللبناني والتي ولّدت مناخا اجتماعيا مناوئا للمهجّرين السوريين، ويزيد من تعقيدات المشاكل الأمنية التي يعاني منها لبنان.

وردا على النزاع في عرسال وما أعقبه من تطورات، تعرّض اللاجئون السوريون في مختلف الأراضي اللبنانية إلى هجمات سافرة وغير مبررة ازدادت وتيرتها وحجمها وسط لامبالاة رسمية. والأخطر من ذلك، باتت هذه الأجواء معمّمة في جميع الأراضي اللبنانية.

وترى مهى يحي أنه إذا لم يتم التراجع عن الرواية السائدة التي تصوّر جميع النازحين السوريين على أنهم أعداء للبنانيين، فقد يدفع ذلك بجزء من اللاجئين إلى أحضان المجموعات المتطرفة. ونظرا إلى المأزق السياسي في البلاد، يقع على عاتق اللبنانيين جميعا مكافحة هذه الأفكار النمطية كي يتمكّن لبنان من التركيز في القضاء على المخاطر الحقيقية التي تُهدّد أمنه.

6