لبنان.. قلاع الطائفية

شهران على تكليف الرئيس سعد الحريري، رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية، بتشكيل الحكومة الجديدة، ولا زالت العراقيل التي تعترض التشكيل هي نفسها.
الجمعة 2018/08/10
لبنان سجين الطائفية

لا يكتفي الفساد في لبنان بالغطاء النيابي ولا بالغطاء الحكومي، ولا حتى بتواطؤ الجهاز القضائي، بل يجد حصنه الحصين في تكريس وتعميق المذهبية والطائفية، الطائفية التي لولاها، على حد قول الرئيس الدائم لبرلمان النظام القائم، والرئيس الأبدي لـ”حركة المحرومين، أمل” نبيه بري، “لسحبونا من بيوتنا”.

شهران على تكليف الرئيس سعد الحريري، رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية، بتشكيل الحكومة الجديدة بعد إنجاز الاستحقاق النيابي في السادس من مايو الماضي، ولا زالت العراقيل التي تعترض التشكيل هي نفسها.

عراقيل يراد لها أن ترتدي عباءات طائفية مهما كانت حقيقتها: مثل عقدة التمثيل المسيحي، وعقدة التمثيل الدرزي، وعقدة التمثيل السني.

والقضية ليست كما يدعون؛ تمثيل حكومي يتناسب مع التمثيل النيابي، وإنما هي صراع على مغانم السلطة في حكومة يتوقع لها أن تعيش طويلا.

في هذه الأثناء يتسابق وزراء حكومة تصريف الأعمال على عقد الصفقات وكأنهم يسابقون الزمن لتحقيق المزيد من المكاسب قبل إنجاز تشكيل الحكومة الموعودة، وتتصاعد روائح الفساد والفضائح مع كل صفقة، دون أن يتحرك أحد لمواجهتها. وكأن الأجهزة القضائية والرقابية والأمنية باتت متخصصة فقط في متابعة ما يدور على صفحات التواصل الاجتماعي وملاحقة واستدعاء المدونين والصحافيين والتحقيق معهم، ولا شأن لها بكل ما يمس المال العام والسلم الأهلي الذي بات يتهدده هذا السيل من الحقن الطائفي واللعب على أوتار العصبيات، خصوصا ممن هم في موقع المسؤولية.

وحين تتصفح صفحات اللبنانيين الإلكترونية تندهش من كم الفضائح التي يتم الحديث عنها، مترافقا مع كم ضخم من الحقن الطائفي والمذهبي الذي بات الشغل الشاغل لناشطي وإعلاميي قوى السلطة، وصولا إلى نواب ووزراء ورجال دين.

حيث يتناقل ناشطون ما يدور على ألسنة هؤلاء متسائلين ومستغربين استسهال هؤلاء إطلاق التصاريح والمواقف الطائفية والمذهبية ربطا بهذه الصفقة المشبوهة أو تلك، دون أي اعتبار لما يحدثه ذلك من انقسام وتوتر بين شرائح المجتمع، ودون أن يتهيبوا من وجود أي سلطات قضائية أو أي جهة رقابية يمكن أن تساءل وتحاسب.

ويستغرب المدونون كيف يتم ملاحقة ناشط مغمور على صفحات التواصل وإلقاء القبض عليه واعتقاله على خلفية منشور يشهّر فيه ببعض المسؤولين الذين يتسببون بتعميق ما يعانيه اللبنانيون من أزمات معيشية وبيئية، في حين أن كبار المسؤولين يبقون أحرارا في إطلاق المواقف والتهديدات التي تضع المجتمع اللبناني على حافة الانفجار الأهلي الكبير.

فحين يطلق وزير في الحكومة عبر التلفزيونات تصريحات غريبة تتعلق بفضيحة باخرة الكهرباء التركية الثالثة، وحول رفض رسوها وربطها بشبكة كهرباء لبنان في ميناء الزهراني، ومتحدثا عن تغيير اسم الباخرة من “عائشة” إلى “إسراء” مراعاة للحساسيات المحلية المذهبية، فإنما هو يدرك تماما أنه يصب النار على الهشيم الذي بات سريع الاشتعال، بفعل التحريض المستمر الذي تمارسه قوى السلطة الطائفية والمذهبية في أوساطها الاجتماعية المختلفة.

وهنا لا بد من التأكيد على أن نظام سيطرة العصابات المافيوية التحاصصي لا يستمر ولا يمكن أن يعيد نتاج مؤسساته السلطوية إلا بالطائفية، وبالتحريض الدائم واللعب على حافة الاحتراب الأهلي. فحين يحتدم الصراع على المغانم يأخذون البلاد إلى حافة الحرب الأهلية، إلى أن يتم التوصل إلى التوافق على اقتسام المغانم، فيكون ذلك هو المخرج وسبيل الخلاص الوحيد للبلاد.

هم من يدفع البلاد إلى الحرب وهم من ينقذونها منها، شرط استمرار نظام نهبهم وفسادهم المحصن بالطائفية.

إنها الدائرة المغلقة التي بها يتجدد نظام سيطرة المافيات المتجلببة بالعباءة الطائفية والمذهبية، والتي بها يتجدد ويستمر حكم الفساد.

فهل سيأتي يوم تشهد فيه الساحة السياسية اللبنانية حضور معارضة وطنية موحدة وفاعلة يمكنها كسر هذه الدائرة المغلقة، من خلال تحشيد المتضررين ونزع الصفة التمثيلية للطوائف والمذاهب عن الفاسدين؟

9