لبنان: كيف يصنع العالم حربا أهلية؟

الجمعة 2013/11/01

في الأزقة الطرابلسية العتيقة التي يعيش أهلها يوميات الرعب كلما أُريد لرسالة أن تمر، نتخيّل أنظاراً شاخصة بعيداً، نحو واشنطن تارة ونحو طهران مرة أخرى، لعلّ في علامات التقارب ما يُفرّج همّ الزقاق الطرابلسي في شمال البلد الصغير لبنان.

نعم، هي هكذا أمور اللبنانيين، نكاد نقول، منذ الأزل. لحدثهم التفصيلي المحلي الصغير اجتهادات كبرى ترقى إلى صراعات الأمم وتحولاتها العظمى. الرعب الذي تعيشه طرابلس الشمالية يأتي بعد رعب عاشته «الضاحية» البيروتية وقَبلَه رعبٌ عاشته عرسال البقاعية.. واللائحة تطول.

هو مسلسلٌ متنقل، يرسم في كل مرة شكل العلّة في رسائل معروفة المعاني، معلومة المصدر، لا يتأخر التفطن لها علناً دون خجل.

هل من علاقة بين اتصال أوباما- روحاني الهاتفي وبين الاشتباكات بين بعل محسن والتبانة في طرابلس؟ وهل من رابط ما بين حوار مفترض بين قوة دولية كبرى كالولايات المتحدة وقوة إقليمية كبرى كإيران، وتصاعد العنف بين مقاتلي الحزب العربي الديمقراطي (العلوي المؤيد لنظام الأسد) ومقاتلي المحاور المقابلة (السنّة المؤيدين للمعارضة السورية)؟

منطقُ الأشياء ينفي العلاقة والرابط. لكن منطقَ الأشياء أيضاً، أو المروجين لمروحة من وجهات هذا المنطق يفسّر جدلية العلاقة والرابط. في الحديث عن معركة القلمون الكامنة وامتداداتها اللبنانية، في الحديث عن تحوّلات حدودية جراحية لازمة لعدّة التسوية، في الحديث عن تشكّل للمنطقة برمتها من بحرها الغربي إلى أقصى دواخلها شرقاً، ما يشي أن الضجيج اللبناني مقدمةٌ لتحوّلات قادمة لا بد من تثبيت تداعياتها الميدانية على الأرض. ومن يهيمن على الأرض يهيمن على مداولات أي طاولة حوار وأي منبر مفاوضات.

في التفصيل الطرابلسي يترددُ صدى معركة بدأت منذ سنين حول مستقبل لبنان، بلداً وصيغة وتركيبة حكم. أطاح اتفاق الطائف بالأرجحية المسيحية، فيما نفس الاتفاق عاجزٌ اليوم عن إنتاج نخب لحكم البلد. مأزق «الطائف» أنه لا ينجح في الخروج بتوليفة يتقاسم بها الجميع حكم البلد، كما أنه فاشل في تمكين فريق من الهيمنة على فريق لحكم البلد.

حول رائحة العفن الصادرة عن «طائف» اللبنانيين، تتسرب طموحات تروم الإطاحة بالسائد لصالح آخر يثبت هيمنة حزب الله وطائفته على حكم البلد. هكذا يتهم فريق 14 آذار. ألم يسبق للسيد حسن نصر الله أن ذكّر أنه لدى أمم أخرى، هي أحزاب التحرير من حكم دول الاستقلالات؟ ولئن بقيت الإطاحة بالطائف زعماً غير معلن، فإن مفاعيل الأزمة السورية وشدّتها، تدفع أكثر لمغامرة التسويق لتثبيت واقع يفرض نفسه على لبنان منذ الانسحاب الاسرائيلي عام 2000.

أي واقع حال؟ يسيطرُ حزب الله على ميدان السياسة والأمن والعسكر في لبنان. ويقود الحزب، منذ اغتيال الرئيس الحريري، فريقا وسياسة تثبّت موقع لبنان في مكان معيّن من الخارطة السياسية الإقليمية. يبرهن حزب الله عن قدرة ميدانية على تعطيل نتائج أي انتخابات وما ينتج عنها. كما يمسك حزب الله بقرار قدوم أو رحيل أي حكومة في هذا البلد. قوة الحزب لا تكمن في منطقه الحداثي، ولا بقوة علاقاته الدولية، ولا بإبداعات برامجه السياسية والاقتصادية، ولا بعبقرية إدارته لملفات البلد. قوة الحزب عسكرية، تهيمن بالقوة ولغة القوة وتجارب القوة، بحيث أحالت الحديث عن الدولة والقانون والسيادة والاستقلال إلى ترهات لم تعد تقنع مطلقيها (قوة الحزب العسكرية وحدها هي ما تجعل زعيمه ينصح خصومه هذه الأيام بقبول حصة في تشكيلة الحكومة لن يقبل بمنحهم إياها مستقبلاً).

على هامش التيارات السياسية الكبرى (لدى فريق 14 آذار) التي تحاول التعايش على مضض مع قوة الحزب، خرجت أصوات وتيارات تنادي بالقوة رداً على منطق القوة. منطق قوة سنيّ يرد على سلوك القوة الشيعي. راج أمر ذلك في صيدا على يد الشيخ أحمد الأسير قبل أن يُصار إلى إسكاته، ويروج في طرابلس كثيرا ضد ما يوصف بذراع النظام السوري في جبل محسن و»ضد الجماعات المحلية التي يموّلها ويسلحها حزب الله» (حسب خصوم الحزب).

تذهب تصريحات الشيخ سالم الرفاعي (رئيس تجمع العلماء في طرابلس) إلى مناشدة السعودية نصرة السنّة في لبنان مثلما تقف إيران وراء قوة الشيعة، ويحذر الشيخ نفسه من أن «داعش» و»النصرة» قادمون إن لم يكف العدوان على طرابلس.

في الوجع الطرابلسي شيء من تلك الفتنة التي يتم التعايش مع حقيقتها بين السنّة والشيعة. لكن في ذلك الوجع أعراض خصومة إقليمية كبرى بين إيران والسعودية. ولا ريب أن تلك الحرب الخفيّة بين طهران والرياض تجد إرهاصاتها نشطةً في مناطق التماس الكبرى في لبنان بين الطائفتين.

يمارس حزب الله تميّز القوة لتثبيت خياراته في لبنان كما في سوريا. ومن طبيعة الأشياء أن يمعن الحزب في ممارسة ما أثمر تقدما ونموا وتفوقا لحضوره على مدى العقود الأخيرة. لم يدفع حتى الآن ثمنا لتلك القوة، لم تُرد له صفعة ولا أربكته نكسة تُذكر. الصورة الأكبر تناسبت مع مزاجه. فلا إيران ضربتها قوى الاستكبار ولا سوريا نالت منها الإمبريالية. تبدو خيارات الحزب، حتى الآن على الأقل، صائبة. ها هي واشنطن تندفع للاتصال بطهران ورئيسها، فيما باريس تفتح أبوابها لاستقبال وصف بالاستثنائي لنائب حزب الله علي فياض.

يتقدم العالم ليتقرب من منطق القوة الذي فرضه حزب الله منهجا وثقافة عيش. السفير الأميركي الجديد في لبنان لا يرى إمكانية لتشكيل حكومة دون حزب الله (تصريح سربته صحف بيروت ولم تنفه أوساط السفارة). سفيرة الاتحاد الأوروبي تسارع لطمأنة الحزب عن «عرضية» قرار الاتحاد وضع الجناح العسكري على لائحة الإرهاب، فيما واشنطن تدرس خياراتها الإيرانية غير عابئة بخيارات حلفائها في المنطقة.

العالم حليف القوة وهو يعرف عنوانها في لبنان. فهل يريد هذا العالم، من خلال تغليب هذا المنطق، جرّ الجميع إلى خيارات القوة، خيارات الفتنة الكبرى والحرب الأهلية (التي تحدث الأمير تركي الفيصل عن نذيرها)؟ وهل يملك لبنان ترف تجنب مطحنة العنف الكبرى طالما أن «القاعدة» أضحى احتمالاً لبنانياً يتسق مع منطق الاشياء.

ربما على أوليّ القوة أن يتأملوا حدود ما تصل إليه القوة. وربما على أولي منطق الدولة والقانون أن يتأملوا عبث ذلك في المكان وربما في هذا الزمان.


صحافي وكاتب سياسي

9