لبنان: لا مفر من اغتصاب السلطة

السبت 2014/08/02

تتأكد يوميا نوايا الائتلاف المافيوي الحاكم في لبنان على إعادة إنتاج نظام سيطرته من خلال اغتصاب “مقونن” للسلطة بالتمديد لمجلسه النيابي للمرة الثانية على التوالي دون الرجوع إلى الهيئات الناخبة بأي شكل من الأشكال.

فقد أعلن أحد وزراء النظام البارزين، عن الحزب التقدمي الاشتراكي، وائل أبوفاعور، إنه “لا يبدو في الأفق أن هناك انتخابات نيابية، وبصراحة، يتكلمون في العلن عن التمسك بإجرائها، فيما الكلام الضمني هو حول كيفية التمديد ومدته، وهذا هو النقاش المضمر الذي يجري، وإن كان لا أحد يجاهر به”.

وهنا، علينا، في كل مرة نحاول فيها فهم سلوك مافيات السلطة في لبنان، أن نتذكر: إنها قوى تابعة ينبع قرارها السياسي من حيث تنبع مصالحها السلطوية، أي من مراكز تبعياتها الإقليمية والدولية.

ولا يخرج عن هذا السياق محاولة تلميع صورة العماد جان قهوجي قائد الجيش من قبل دولة خليجية ذات نفوذ، لملء سدة الرئاسة الشاغرة منذ 25 مايو الماضي. وقد يكون ذلك مقابل تمديد إضافي لولاية مجلس النواب الحالي والذي يجسد، مجددا، اغتصابا فظا للسطلة في لبنان.

ليس جديدا أمر اغتصاب السلطة في لبنان على الطبقة المافيوية التي تتمتع بدعم مراكز الهيمنة الإقليمية والدولية نظير تنفيذ أجنداتها. فتزوير إرادة الناخبين وبقدر كبير من الفجاجة أصبح تقليدا لدى هذه الطبقة التي تتوسل عدة طرق إلى ذلك، أبرزها:

– سيطرتها على وسائل الإعلام التي تضخ الوعي الزائف وتحاصر المواطنين بسيل من الأوهام حول حماية الطوائف والمذاهب ومصالحها من سطوة بعضها. واعتبار “الزعيم” حاميا للطائفة (أو المذهب) ولِهيبتها وحتى لاستمرار وجودها. وبالتالي تخويف الطوائف والمذاهب بعضها من البعض الآخر مما يساهم في تعميق الانقسام من أجل الالتفاف حول القوى المتنفذة والمسيطرة التي هي بالضبط مافيات السلطة التبعية.

– القوانين الانتخابية التي تزور إرادة الناخبين. فليس معقولا أن تتشكل الدوائر الانتخابية على قواعد متفاوتة تجعل للأصوات الانتخابية أوزانا مختلفة من دائرة إلى أخرى. فيصير لدينا نواب بستة آلاف صوت ونواب بمئة ألف صوت!

– المال الانتخابي والفساد الوقح الذي يشوب عملية التصويت بما في ذلك شراء الأصوات وابتزاز الناخبين بمختلف السبل.

واليوم، وللمرة الثانية على التوالي، ونتيجة التخوّف من تبدّل مفاجئ في المزاج العام للهيئات الناخبة، أو لاحتمالات ما قد تفضح التمثيل الزائف للقوى المسيطرة انتخابيا وسياسيا، ولأسباب تعلمها الطبقة الغاصبة للسلطة وللثروة ولا يجهلها الرأي العام، وفي مقدّمها التنكر لمصالح المواطنين ولأبسط حقوقهم في الأمن والصحة وسائر الخدمات الأساسية، ولما تمارسه تلك المافيات من فساد وقح وانفصال تام عن المجتمع وغربة كاملة عن مشاكله، تفضل تلك المافيات أن تعيد إنتاج سيطرتها من خلال التمديد لمجلسها النيابي الذي لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن مصالح الناس وهمومهم المتفاقمة نتيجة سلوك هذه المافيات نفسها. وقد أثبت ذلك دون أي مواربة سواء في مدة ولايته العادية أو تلك التي مدّد فيها لنفسه. إذْ لم ينتج عن انعقاده إلا ما يخدم مصالح البضع في المئة من اللبنانيين المتمثلين بالقوى المسيطرة.

وفيما كان عدم إنجاز قانون انتخابي جديد يمثل الذريعة الرئيسية في عملية التمديد السابقة للمجلس، وحيث كانت المهمة الأولى التي من المفترض بحثها وإقرارها من المجلس الممدد لولايته هي إصدار قانون انتخابي جديد، وبما أن مثل هذا القانون لم تتم أي مناقشة فيه أو يُقدَّم بشأنـه أي اقتراحـات، فقـد ثبت ومنذ البدء أن قضية التمديد لهذا المجلس ليست إلا إصرارا على اغتصاب فج للسلطة يجري الآن تكراره بوقاحة أكثر صراحة، رغم ما يظهره تصريح أبو فاعور أعلاه من ادعاء الخفر حيال ذلك.

وهنا تتساوى القوى المافيوية في إرادة اغتصاب السلطة كما تتساوى في التبعية وفي جميع الموبقات الأخرى التي يتميز بها نظام سيطرتها التي أضيف إليها الفراغ والتعطيل في المؤسسات الدولتية وانعدام الأمن للمواطنين.

وحين أعتبر أن من يسيطر اليوم في لبنان ليس سوى ائتلاف مافيوي يُظهر انقساما خبيثا بين معسكرين آذاريين، فإنما أشير إلى تبادل مصلحي وحيوي بينهما يسهم في إدامة سيطرتهما المشتركة من خلال تبادل الأدوار من جهة، ومن خلال بث التفرقة والانقسام والعداوة بين فئات المجتمع للحيلولة دون نهوضها متّحدة في وجه هذا الائتلاف وإسقاط نظامه المعادي للمواطنة وللمواطن وللوطن.

لقد التقى جميع أفرقاء السلطة على تضامن شكلي وإعلامي مع الشعب الفلسطيني في غزة في مواجهة الحرب الصهيونيـة المستمـرة عليـه. وفي نفس الوقت الذي يستمر “تنقير” قوى الرابع عشر من آذار على حزب الله لدعمه اللفظي (خطـاب السيد حســن نصـرالله أمس) لمقاومة الشعب الفلسطينـي باعتبـارها أن هذا الحزب المدجج قد تخلّى عن المقاومة ليوجه سلاحه ومقاتليه للدفاع عن نظام الأسد في سوريا، فإن بعض هذه القوى لا يخفي سروره بتورط هذا الحزب في سوريا الذي منعه (ربما) من فتح جبهة الجنـوب اللبناني، ولو شكليا، في خطوة عملية لدعم مقاومة الشعب الفلسطيني.

وهنا يلتقي الفريقان في مصلحة واحدة: تجنب إثارة المتاعب من بوابة الجنوب حرصا على استقرار مصالحهم، في حين أن بعض الصواريخ التي أطلقت من خارج السياق، هناك، في اتجاه الأراضي المحتلة أثارت إزعاجا خفيفا لديهم كونهم يعلمون علم اليقين أنها فقاعات لا قدرة لها على التأثير.

إن حرص مافيات السلطة على مصالحها يبيح لها ممارسة أقصى درجات الفجور. فمتى يصحو اللبنانيون إلى مصالحهم هم وينقلبون على نظام رثّ لا ينشر إلا الفساد ولا يعمّم إلا الخداع ولا يمارس الا الاغتصاب؟


كاتب لبناني

8