لبنان ليس فريدا وليس مثالا

الخميس 2014/04/24

منذ أن تشكل لبنان، طيلة فترة الاستعمار الفرنسي وما تلاها، وفق تقسيم طائفي محدد، توزعت فيه المؤسسات والسلطات بين الطائفية المارونية والسنية، ولاحقا دخلت الطائفية الشيعية، فاكتمل النظام الطائفي. هذا النظام تمّ اختياره لأن الطبقة البرجوازية اللبنانية ليس بمقدورها تشكيل دولتها العلمانية الحديثة، لأنها ريعية وليست صناعية، وبقاؤها يتطلب شكلا غير علماني وغير ديمقراطي، فكان الاعتماد على الصيغة الطائفية؛ الصيغة التي تُشتت قوى الشعب باسم الدين والطائفة، وتؤبد مصالح كبار الرأسماليين اللبنانيين، فيخلّدون أنفسهم بصورة عائلية ووراثية، ودون أي تغيير يذكر.

لبنان لم يخرج من أزمته البنيوية هذه. فنظامه طائفي، ويدّعي تمثيل الطوائف، وأنّ كل خروج عن الطائفية يصوّر وكأنّه يهدد لبنان، بينما الحقيقة تقول إن لبنان غير قادر على الخروج من أزمته ويمكن وقوع الحرب الأهلية في أي وقت، ولا يمكن التخلص منها إلا بالانتهاء من هكذا لبنان. أي بإنهاء الشكل الطائفي للحكم، ورؤية لبنان كأي بلد على وجه الكرة الأرضية، يفترض أن يتحول نحو نظام علماني ديمقراطي وتمنع فيه الأحزاب الطائفية بالكامل، ويتأسس على مبدأ المواطنة. إذن هوية لبنان ليست في طائفيته كما يعمم النظام السياسي وكتبته ومثقفوه الطائفيون، بل في أن يكون بلدا ككل بلاد الأرض، يتم فيه إنهاء الطائفية السياسية والعائلية، وتصفية السلاح خارج الدولة.

في قضية انتخاب الرئيس القادم للبنان، يقول تيار سياسي واسع من الليبراليين والديمقراطيين والممانعين كذلك، أن القضية الآن أن يأتي رئيس قوي يمثل المسيحيين، وبالتالي يعود التوازن الطائفي إلى لبنان بعد أن فقدت الطائفية المارونية دورها في السلطة، وتقاسمت السلطة “السنة والشيعة” بينما كان المسيحيون بمثابة ملحق أو هامش.

ولأنّ المسيحيين ضائعون بين 14 و8 آذار ولديهم عائلات تاريخية وأمراء حرب كسمير جعجع، وطامح أبدي إلى السلطة وهو ميشال عون، يستحيل التوافق بينهما، كما التوافق السني على زعامة آل الحريري؛ وعند الشيعة حزب الله وحركة أمل، فإن الأمر غير ممكن عند المسيحيين بسبب شدّة الخلاف بين الجماعات السياسية، وبالتالي ربما لن ينتخب الرئيس وربما سيقع الاختيار على شخصية هامشية كالعماد ميشال سليمان المنتهية مدة رئاسته. هذا الجدال، يدعي أن السنة منسجمون وكذلك الشيعة وكل المشكلة في المسيحيين!

ولكن السؤال هل مشكلة لبنان الآن هي في اختيار رئيس مسيحي يعيد للمسيحية دورها؟ البعض يقول إنه سيعيد الروح للمؤسسات اللبنانية بعد توقفها منذ عقد الطائف 1990. الحقيقة المغيّبة أنّه وحتى ولو انتخب زعيم قوي في لبنان، فإنّ هذا لا يتم إلا ضمن توافقات إقليمية ودولية، وسيكون دوره فقط في تدعيم النظام الطائفي، وتعميق المشكلات اللبنانية ووضع لبنان برمته بشكل دائم في حرب أهلية محتملة.

ولدى هذا التيار ولاسيما الليبرالي منه، أن لبنان مثال يحتذى، وعلى سوريا والعراق وسواها التعلم من هذا النظام بحجة أنه يمثل الشعب! حقيقة لا يمكن لعاقل أن لا يرى كوارث لبنان ولا كوارث العراق، فالبلدان ومنذ ذهابهما في هذا الاتجاه، لم يشكلا بلدانا حقيقية، بقدر ما شكلا كانتونات طائفية متقاتلة تسيطر عليها زعامات طائفية تورّث الحكم بصورة تكرارية، بينما يدخل المجتمع في حروب أهلية لا تبقي ولا تذر.

القضية ليست كما يتم تصويرها على أنها قضية الشيعة في لبنان أو في العراق أو في سوريا. القضية تكمن في ضعف البرجوازية التاريخية، وعدم قدرتها على بناء نظام علماني ديمقراطي واقتصاد حديث كما حال أوروبا، فتختار وبدفع من أوروبا وأميركا، أشكالا من الحكم تفتت الشعب طوائف وأديان وملل. فهل يمكن أن ننسى أن بريمر الحاكم العسكري للعراق، شكل مجلس الحكم العراقي بعد الاحتلال الأميركي على أساس طائفي وقومي ورفض أي ممثل على أساس وطني.

لا فرادة للبنان بطوائفه، وأغلب دول العالم فيها طوائف وأديان وقوميات متعددة، ولكنها جميعها تسعى إلى تشكيل دول حديثة؛ مبدؤها المواطنة وتساوي المواطنين أمام القانون. أن يُطرح لسوريا نظام سياسي شبيه كما يعمم تيار سياسي، لن يكون إلا وصفة لحرب أهلية مستمرة كحال العراق وممكنة في أي وقت كلبنان.

ليست القضية في اختيار رئيس مسيحي قوي يعيد التوازن للطوائف فتتطور الدولة، وتبدأ مرحلة جديدة. هذا وهم. إن أي رئيس لبناني سيكون ضعيفا لا محالة، ولن ينتخب خارج توافقات محلية ودولية وإقليمية. أي لا يوجد شيء اسمه لبنان إلا كمحقق لمصالح تلك التوافقات. وبالتالي أين فرادة لبنان وأي مثال يعطيه للدول العربية؟

الثورات العربية تسقط أنظمة شمولية لا لتبني أنظمة طائفية، بل لتبني أنظمة تمثل حاجات الشعوب وتحققها، والشكل الوحيد القادر على القيام بذلك هو نظام علماني ديمقراطي، ينطلق من الإقرار بحقوق الناس وبالمساواة والعدالة الاجتماعية.

قضية لبنان الرئيسية في كيفية وصول الثورة الشعبية إليها، ومن هنا نرى أن الإضرابات المتتالية للعمال وإضرابات المدرسين والأكاديميين من أجل زيادة الرواتب وتخفيف الضرائب عن الفقراء. هذه بدايات من أجل لبنان جديد؛ ينهي الطائفية بكل أشكالها، وهو الآن إما أن يكون من هذه البلدان، وإما سيكون على شفا حرب أهلية.


كاتب سوري

9