لبنان ليس كذبة بل جريمة

الاثنين 2016/04/04

أخطأ الرسام الأردني أمجد رسمي، حين وصف لبنان في كاريكاتير نشرته صحيفة الشرق الأوسط أنه كذبة كبيرة. لبنان لم يعد آيلا للكذبة منذ زمن طويل، لأن الكذبة يمكنها أن تتجمّل وأن تروّج لنفسها، أما ما يعيشه لبنان اليوم فلم يعد قابلا لأي من الصيغ المعقولة للكذبة، فقد بات منذ زمن طويل عبارة عن جريمة عارية كاملة الأوصاف والصفات.

أي نسبة للبنان إلى غير الجريمة هي فعل يجافي الحقيقة عن سابق تصور وتصميم. الجريمة في لبنان لم تعد صيغة يمكن نسبها إلى طرف محدد، ما ينزع عنها صفتها الجامعة ويجعلها فعلا هامشيا معزولا، بل باتت الصيغة الناطقة باسم الذوات والهويات والمعبّرة عن الآمال والطموحات. لم تعد الجريمة في لبنان غريزة، بل باتت وعيا واعيا لذاته وساعيا إلى تركيب الوجود تأسيسا على ما هو مرسوم داخل هذا الوعي من قيم تسعى إلى استنساخ كل تجارب الوحشية التي عبرت في التاريخ بقصد تطويرها.

في هذه الفسحة من الخراب يتخذ التاريخ أقصى تمركز له في لحظة جنون تشهد عودات كارثية. يمكن قراءة تـاريخ فظاعات العالم في كل ما تقدمه سيرة اليوميات اللبنانية.

تاريخ التعذيب والعبودية يجد منتهاه في مشهد الفتيات السوريات اللواتي كن يخضعن لعبودية كان العالم يعتقد أنها لم تعد آيلة للوجود. المشهد الذي كشف عنه مؤخرا لا يظهر سياقا عابرا لا يمكن الاستناد عليه للقول إن هناك سيكولوجيا عبودية تعشش في ذهن اللبنانيين، بل كان مشهدا “مؤسساتيا” بامتياز، حيث أن هذه العملية التي تم من خلالها إخضاع الفتيات تتميز بكل مواصفات العقلنة والتصميم.

أدوات تعذيب قروسطية ووسائل ترهيب نفسية وجسدية متقنة. نظام للعقوبات يحدد عدد الجلدات مقابل كل مخالفة، أليس هذا هو البديل الذي يقدمه الوطن عن الدستور؟

ما دفع بجماعة الممانعة إلى اقتحام مكاتب جريدة الشرق الأوسط احتجاجا على هذا الكاريكاتير، لم يكن سوى أنهم لا يقبلون بأن يكون لبنان آيلا للحياة وللإصلاح كما هو حال الكذبة، بل يريدون التأكيد على أن لبنان انتهى تماما، وأن التاريخ تجمّد فيه على لحظة الجريمة التي زرعها حزب الله، ونمت برعاية ودراية وتواطؤ وتفهم من الجميع.

لم يكن حزب الله وحده صاحب الجريمة بل كان الجميع شركاء معه في ذلك، وهذا ليس نوعا من جلد الذات بل توضيح لما لا يريد أحد الاعتراف به، فإذا كان حزب الله يمارس الجريمة بشكلها البشع، فإن الآخرين يؤسسون لتحولها إلى بنية قانونية. حزب الله ليس إرهابيا حتى هذه اللحظة بنظر خصومه اللبنانيين، لذا فإن نسبة الفعل الإرهابي إلى حزب غير إرهابي التي يحاول البعض تركيبها كتبرير لتعاميهم عمّا يقوم به حزب الله، تبدو مثيرة للسخرية. هل يمكن الفصل بين تيار وما يقوم به، وتوصيف ما يقوم به كفعل مشين، ولكنه لا يدين صاحبه؟

لم يكن هذا الكاريكاتير، ورغم كل المحاولات التي قامت بها الجريدة لتوضيح مراميه بأنه لم يكن المقصود منه إهانة لبنان بأي شكل من الأشكال، سوى غيض من فيض ما أصبحت عليه صورة لبنان عربيا ودوليا.

تعبير الكذبة كان تعبيرا لطيفا ويعطي البلد سلسلة من الأسباب التخفيفية التي لا تنطبق عليه. يمكن القول إن النية التي صدر عنها هذا الكاريكاتير، إنما تنطوي على حب واحترام للبنان في لحظة لم يعد فيه هذا البلد يفرز سوى ما يستحق النفور والاشمئزاز.

لازالت السعودية، الجهة المالكة لجريدة الشرق الأوسط، تنطق في كل تعبيراتها عن الشأن اللبناني بلغة الإيمان بأن الخلل اللبناني قابل للإصلاح. لغة النقد التي تتبناها لا تخاطب البلد بلغة الاحتقار بل بلغة الأسف. من هنا فإن لبنان الكذبة كان أسفا ينطلق من تصور لا يزال يرفض أن يرى نهائية حلول لبنان في لحظة الجريمة.

كاتب لبناني

8