لبنان متفهم للإجراءات الخليجية الصارمة تجاه المتعاملين مع حزب الله

لطالما حرصت دول الخليج العربي على مساعدة لبنان في أزماته، وبذلت كلّ الجهد لمؤازرته في ضيقه الاقتصادي في الحرب والسلم على حدّ سواء. علاقات متينة قائمة على التعاون أضحى التشكيك فيها ضربا من ضروب العبث. حتى أنّ مزاعم القائلين بأنّ الإجراءات التي اتخذتها بلدان خليجية تجاه العناصر المحسوبة على حزب الله اللبناني المدعوم من إيران، إنما تستهدف لبنان، ما فتئت أن تهاوت وبان تهافتها أمام الإصرار الخليجي على الفصل الواضح بين هياكل الدولة اللبنانية وشعبها الشقيق وبين هياكل حزب الله وأذرعه التي لا تريد الخير للمنطقة عموما.
الاثنين 2015/05/11
دول الخليج وعلى رأسها السعودية لم تتأخر أبدا في تقديم الدعم المادي واللوجستي والعسكري لدولة لبنان

الرياض - أبلغت حكومات دول الخليج العربي عن طريق معلومات دبلوماسية، رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام حرصها الكبير على إقامة أفضل العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع لبنان، وتأكيدها في الوقت نفسه على التّشدد في تنفيذ التدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار في بلدانها، وتفعيل قرارها بمكافحة مصادر تمويل “حزب الله”، وتطبيق الإجراءات التي اتخذها وزراء الداخلية لدول مجلس التعاون في اجتماعهم في العاصمة البحرينية، المنامة، في نوفمبر عام 2013، بحق المخالفين الذين ينتمون إلى الحزب أو يتعاملون معه، وذلك في ضوء تقارير يضعها جهاز أمني مشترك يضمّ خبراء أمنيين واقتصاديين.

وأوضحت المعلومات التي اقتنع الرئيس سلام بصحتها وسلامة تطبيقها، بأنّها تعتمد “التخصيص” في تحديد الأشخاص المخالفين والذين يتم ترحيلهم إلى لبنان على أساس سلوكاتهم وتصرفاتهم “المدانة”، وليس على أساس مذهبي أو طائفي، ومن غير تعميم أو عشوائية أو ترحيل جماعي.

وتستند كل قرارات الترحيل التي تمّ تنفيذها بحق عدد من اللبنانيين إلى حدّ الآن، إلى ملفات أمنية وقرارات قانونية، مع التأكيد على حرص دول الخليج على ألاّ يتضرّر مقيم لا علاقة له بـ”حزب الله” أو القوى المساندة له، علما أنّ مهمة الجهاز الأمني المشترك لمكافحة تمويل حزب الله، تكمن بشكل أساسي من تجفيف مصادر الحزب المالية الخليجية، من خلال تبادل المعلومات الأمنية بين الدول الأعضاء من جهة، ومع الانتربول الدولي من جهة أخرى، وبالتالي الإسراع في تعقب الأموال المرتبطة بالحزب، وكذلك الشخصيات المنتمية إليه أو المتعاطفة معه. وقد أوقفت دول الخليج إقامات بعض اللبنانيين، ومنهم رجال أعمال ثبت ضلوعهم في العمل لصالح الحزب، ووجّهت إليهم إخطارات بتصفية ممتلكاتهم الشخصية والمغادرة، كذلك تمكنت الأجهزة الأمنية من اكتشاف انتحال بعض الشخصيات المنتمية إلى حزب الديانة المسيحية بهدف تمرير مشاريعهم في قطاع الأعمال وإقامتها في بعض الدول، إضافة إلى تسجيل بعض الاستثمارات بأسماء مواطنين خليجيين ينتمون إلى الطائفة الشيعية وإيداع الأموال في حساباتهم.

قرارات خليجية تعتمد التخصيص في تحديد الأشخاص المخالفين الذين يتم ترحيلهم إلى لبنان على أساس تصرفاتهم المدانة

وإذا كانت مهمة الجهاز الأمني المشترك متاحة في البلدان الخليجية نفسها، فإنّها تبدو أكثر حساسية ودقة في لبنان، حيث يعتبر الحزب المستهدف ماليا أحد المكونات الرئيسية في البلد، وله حضوره الشعبي والسياسي والعسكري، المدعوم من إيران.

ويرى مراقبون أنّ هذه الخطوات الخليجية لا تستهدف الأشقاء اللبنانيين، والدولة اللبنانية التي طالما دعمتها دول الخليج وسعت إلى مساعدتها ماديا ولوجستيا وعسكريا، شأن صفقة الأسلحة التي تم إبرامها مع الفرنسيين برعاية وتمويل سعوديين لمساعدة الجيش اللبناني، وإنّما تهدف إلى محاصرة عملاء إيران في المنطقة العربية، وعلى رأسهم حزب الله، والتضييق عليهم من خلال قطع الدعم عنهم.

خطوة في سياق مكافحة الإرهاب

تلتقي الإجراءات الخليجية مع طلب الإدارة الأميركية من لبنان التشدد في تطبيق العقوبات ضد حزب الله واستبعاده من النظام المالي الدولي، ومحاصرة سبل تمويله، فضلا عن بروز تنظيم “داعش”، والذي اضطرّ اللبنانيون بعد ظهوره إلى المشاركة في مشروع “مجموعة اجمونت لوحدات الإخبار المالي عن تنظيم داعش”. وتعتبر هذه التطورات التي يشهدها العالم في مجال تمويل الإرهاب غير مسبوقة، خصوصا لجهة ابتكار المجموعات الإرهابية لأساليب جديدة في التمويل. ولذلك تكاثرت جهود السلطات التنظيمية والرقابية لتعزيز أنظمة مكافحة تمويل الإرهاب من خلال فرض متطلبات أكثر صرامة وفرض عقوبات على الجهات المخالفة.

وفي هذا الصّدد حذّر نائب حاكم مصرف لبنان، محمد بعاصيري، من تداعيات مرتقبة لتلك التطورات على المصارف والمؤسسات المالية، ودعا مفوضي المراقبة العاملين لديها، أن يكونوا أكثر حذرا في مهماتهم التدقيقية، وذلك للحدّ من المخاطر التي يمكن أن تواجهها.

علي عواض عسيري: الفرص متاحة لدعم اقتصاد لبنان ونحن نقدم للبنانيين فرصة ذهبية

وهكذا انخرطت المصارف اللبنانية في مكافحة الإرهاب من خلال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بناء على تعليمات مصرف لبنان واللوائح الصادرة عن هيئة التحقيق الخاصة، وذلك من أجل حماية مدخرات اللبنانيين، وهي مصلحة وطنية أساسية، خصوصا أنها تشكل معظم ما ادخره اللبنانيون المقيمون وغير المقيمين، في إبقاء النظام المصرفي بمنأى عن الأموال “المشبوهة والقذرة”، والالتزام بتطبيق المعايير الدولية لا سيما الحفاظ على علاقة المصارف اللبنانية بالمصارف المراسلة في أنحاء العالم كافة، وخاصة مع المصارف الأميركية، نظرا لأهميتها بالنسبة إلى الاقتصاد اللبناني وقطاعه المصرفي.

ولكن وعلى الرغم من ذلك، فإنّ جمعية المصارف تعتبر أنّ الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب يظل غير مكتمل في لبنان، وهو يحتاج إلى تقوية وتعزيز من خلال التعديلات على القانون 318 لجهة توسيع نطاقه ليشمل معظم الجرائم المالية، وإقرار مشاريع قوانين نقل الأموال عبر الحدود، وتبادل المعلومات الضريبية، وانضمام لبنان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999، وجميعها مجمدة في أدراج مجلس النواب بضغط من نواب حزب الله، مع العلم أن هذه الاتفاقية قد انضمت إليها حتى الآن 171 دولة في العالم، ومن ضمنها معظم الدول العربية.

وفي الوقت الذي أكدت فيه حكومات دول الخليج على الاستمرار في إجراءاتها الأمنية وجملة العقوبات المتخذة ضد حزب الله، التي تستهدف الحد من نفوذ وتغول أذرع إيران في المنطقة العربية، أعلنت ترحيبها باستقبال المزيد من اللبنانيين للعمل والاستثمار في مختلف القطاعات الاقتصادية والاستفادة من التسهيلات المتاحة لهم.

استثناءات مدروسة

في سياق الدعم الذي تقدمه دول الخليج للبنان، أكد السفير السعودي في بيروت، علي عواض عسيري، أمام الهيئات الاقتصادية التي تمثل القطاع الخاص اللبناني “أنّ الفرص متاحة لدعم اقتصاد لبنان، والمملكة بقوانينها المرنة، ونظام الاستثمار الجديد الذي تطبقه، تقدم للأشقاء اللبنانيين فرصة ذهبية”، لافتا إلى أنّ سفارة المملكة في بيروت مستعدة لتقديم كافة التسهيلات المطلوبة لرجال الأعمال اللبنانيين لزيارة السعودية والاطلاع على فرص الاستثمار في جميع المجالات، كما أنّ الملحق التجاري في السفارة على استعداد دائم لتقديم كل ما يحتاج إليه اللبنانيون من إيضاحات حول المجالات الاستثمارية.

دول الخليج أوقفت إقامات بعض اللبنانيين ومنهم رجال أعمال ثبت ضلوعهم في العمل لصالح حزب الله

وإضافة إلى الفرص الاستثمارية المتاحة، هناك فرص جديدة أمام اللبنانيين العاملين في دول الخليج، مع إمكانية تحسين وضعهم المعيشي وارتفاع أجورهم، وذلك في إطار التطورات الإيجابية المرتقبة في سوق العمل على رغم من تراجع أسعار النفط.

وقد توقعت دراسة إحصائية أعدّتها مؤسسة “مواهب الخليج” تحت عنوان “دول الخليج تولد فرصا وظيفية أكثر في عام 2015”، زيادة عدد الوظائف المتوفرة ورفع مستوى الأجور، مشيرة إلى أنّ الزيادة في نسبة الأجور ستبلغ في كلّ من المملكة العربية السعودية والإمارات 7.1 بالمئة، وفي البحرين 7 بالمئة، أمّا الكويت فمن المتوقع أن تحقّق نسبة تحسن في الأجور تبلغ 5 بالمئة.

وتأتي أهمية القطاعات التي تخطط لأعلى الزيادات في التوظيف كالآتي: الصحة، العقارات، التجارة، الفنادق، البناء، المصارف، البرمجة، النفط والغاز، والاتصالات والإنترنت. وقد شهدت بلدان مجلس التعاون الخليجي حركة استثمارات كبيرة في مشاريع صناعية وسياحية وعقارية ونفطية وزراعية، ساهمت في توفير نحو سبعة ملايين وظيفة خلال السنوات الأخيرة (الطفرة النفطية)، ذهبت ستة ملايين منها للوافدين مقابل مليون وظيفة للمواطنين الخليجيين.

وتتوقع الخطط الاستثمارية الجديدة استحداث نحو ستة ملايين وظيفة حتى العام 2020، على أن تكون حصة الخليجيين منها الثلث، أي نحو مليوني وظيفة، وذلك على أساس استمرار الحكومات بالتشدّد في توفير فرص عمل للخليجيين، وتحسين استراتيجيات العمل، وتطوير مخرجات التعليم وإعادة هيكلة الأجور.

تفاصيل أخرى:

تورط حزب الله في القلمون السوري يهدد الداخل اللبناني

7