لبنان: متى ينقلب حملة السلاح على مشغليهم

الخميس 2014/03/27

قد يظن البعض أن التوافق على تشكيل حكومة تمام سلام والاتفاق أخيرا على بيانها الوزاري ثم نيلها ثقة مجلس النواب على أساسه، سوف يريح الوضع في لبنان بعد عشرة أشهر من تعطيل المؤسسات بسقوط المسؤولية السياسية عن حكومة ميقاتي المستقيلة التي استمرت في تصريف الأعمال طيلة هذه المدة.

ما يغيب عن بال هؤلاء أن القوى التي عطلت تشكيل الحكومة وفرضت هذا الفراغ في المؤسسات هي نفسها القوى التي توافقت على تشكيلها وعلى صياغة بيانها الوزاري وعلى منحها الثقة، وبالتالي، لن يتغير شيء على مستوى الواقع الاقتصادي والاجتماعي وأيضا الأمني طالما أن نفس القوى هي التي فرضته.

لذلك نتوقع استمرار تفاقم الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية مترافقا مع استمرار التأزيم الأمني الذي يلاحق المواطنين من منطقة إلى أخرى، والذي ضرب مؤخرا في قلب بيروت بعد أن جعل من مدينة طرابلس ساحة للتوتير الأمني الدائم والجولات القتالية المتسلسة ولمحاور الاشتباكات.

ويبدو، من خلال هذا العجز الكامل للمؤسسات الأمنية وللجيش اللبناني عن تقديم أي حل نهائي كامل لأي انفلات أمني في أية بقعة من لبنان، أن مصلحة القوى المسيطرة تقتضي إدامة هذا التوتير وعدم وضع حد له.

صحيح أن الشرط الإقليمي يفرض نفسه بقوة على الساحة اللبنانية، وأن الصراع في سوريا وتورط حزب الله بهذا الحجم من التدخل لمصلحة النظام السوري في مواجهة ثورة شعب وَسَمها الإعلام وعديد القوى الجهادية المتداخلة معها بالإسلامية (السنية في مواجهة الشيعية)، كان لهما رد فعل عزز من وجود القوى السلفية في لبنان، ولكن الثابت أيضا أنه لم يتمكن لا الجيش ولا القوى الأمنية من وضع حد نهائي لأي إشكال أمني في أية منطقة من لبنان رغم محدودية الكثير من هذه الإشكالات. وإذا كانت أحداث طرابلس “أكبر من القوى الأمنية وأكبر من الجيش وأكبر من الدولة” كما صرح وزير الداخلية السابق مروان شربل، فما الذي يمنع توقيف عصابة خطف لقاء فدية وهي معروفة، وإحالتها إلى القضاء؟

لذلك فإن التفسير الوحيد هو أن للقوى السياسية- المافيوية المسيطرة محليا مصلحة حيوية في إدامة التوتر واستمرار الاضطرابات الأمنية المتنقلة بين المناطق واستمرار مسلسل الاقتتال في طرابلس.

ولأن هذا التوتير وهذا الانفلات الأمني لهما طابع طائفي أو مذهبي أو مناطقي، وهذا كفيل باستمرار وتعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية والمناطقية التي تعزز خوف فئة من باقي الفئات، وتعزل فئة عن باقي الفئات الاجتماعية بسبب اللون الطائفي أو المذهبي أو بسبب التقوقع المناطقي.

وكون القوى السياسية المسيطرة هي نفسها القوى المافيوية الممسكة بالمؤسسات والاقتصاد والأمن والقضاء والإدارة، وهي نفسها التي تمارس الفساد المعلن والنهب والسمسرة، فإن هدوء الساحة أمنيا سوف يتيح بسرعة أن يتوحد الشعب اللبناني المضطهد بكل فئاته، حول حقوقه المهدورة ومطالبه المحقة والمستحقة وأن يضغط من أجل نيلها، في أضعف الاحتمالات، أو يتحرك لإسقاط الطبقة السياسة الفاسدة برمتها.

والنتيجة أن حالة الاضطراب والقلق والتوتر ستستمر، ولكن ضمن حدود السيطرة، كضمانة مرحلية لاستمرار النهب والفساد والتبعية.

ولكن اللافت أن من ينخرط في أعمال التوتير والإخلال بالأمن على الأرض، أي من هم وقود الأحداث الأمنية التي يمكن أن تبتلعهم، لمصلحة الطبقة السياسية، هم من أبناء الطبقات المفقّرة الذين أعماهم التحريض الطائفي والمذهبي والتخويف من الآخر، والذين يُخدعون بأن من يقومون هم أنفسهم بحمايته ويبذلون، إلى جانب معاناتهم الإذلال والإفقار والتهميش، التضحيات الجسام في سبيله، هو نفسه حامي الطائفة ومنقذها، وهم أنفسهم من يطلق على الطبقة السياسية تسمية “المافيات الناهبة”. هذا يعني أن استمرار هذه الحالة مرهون باستمرار حملة السلاح في التخندق خلف جلاديهم. ولكنه يعني أيضا أنه متى ينقلب حملة السلاح على مشغليهم تنفتح آفاقٌ جديدة للاجتماع السياسي في لبنان. فمتى ينقلب حملة السلاح على مشغليهم؟


كاتب سوري

8