لبنان منكوب بغياب المؤسسات وحضور المحاصصة والفساد

لبنان يعيش أزمات متراكمة جراء هشاشة الأوضاع الأمنية وغياب مؤسسات الدولة لصالح قوة الأمر الواقع المفروضة بقوة سلاح حزب الله حليف إيران.
الجمعة 2020/08/07
مدينة مثقلة بالأوجاع

خيمت على لبنان أجواء الحزن والحداد على ضحايا أقوى انفجار تشهده البلاد التي تئن تحت وطأة أزمة اقتصادية ساحقة، ووجه اللبنانيون، الذين فقدوا وظائفهم وتبخرت مدخراتهم في الأزمة المالية، اللوم للسياسيين الذين استشرى الفساد الحكومي وسوء الإدارة تحت أسماعهم وأبصارهم لعقود، كما حملوا مسؤولية أوجاعهم المتواصلة إلى حزب الله الذي حول الدولة إلى “دويلة” بفرضه سياسة الأمر الواقع وجر البلد نحو سياسة المحاور والخضوع للإملاءات الإيرانية دون التفكير في عواقب هذه السياسات على أمن واقتصاد ومستقبل شعبه.

بيروت- منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية باتفاق الطائف عام 1989، الذي أسس لاقتسام السلطة على أساس الانتماءات الدينية والطائفية، حُكم لبنان بمعادلات سياسية مرتهنة للقوى المتنفذة المحلية أو المرتبطة بجهات إقليمية ودولية.

هذا الوضع أدى إلى شبه غياب لدولة المؤسسات، التي انقسمت بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، في 14 فبراير 2005، بين قوى “8 آذار”، ويتصدر مشهدها السياسي “حزب الله” والتيار الوطني الحر، وقوى “14 آذار”، بقيادة تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب.

ويعيش لبنان أزمات متراكمة جراء هشاشة الأوضاع الأمنية وغياب مؤسسات الدولة لصالح قوة الأمر الواقع المفروضة بقوة سلاح حزب الله (حليف إيران)، بجانب غياب الدور الرقابي، وتعطيل القضاء، والفساد المالي، وغير ذلك من العوامل التي حولت البلد إلى بيئة مولِّدة للأزمات ومصدرة لها إلى دول الجوار، مثل سوريا، التي تعاني من تدخلات حزب الله في الحرب الداخلية، حيث يقاتل بجانب قوات النظام.

ارتهان لحزب الله

حسن قريطم: المسؤولون على علم بوجود مواد خطرة قبل الانفجار
حسن قريطم: المسؤولون على علم بوجود مواد خطرة قبل الانفجار

يشهد لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه المعاصر بسبب الفساد وفوائد ديون إعادة الإعمار بعد اتفاق الطائف، والعقوبات الأميركية على حزب الله وعدد من قياداته، وتداعياتها على القطاع المصرفي وأسعار صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، وأثر كل ذلك على مجمل الأوضاع الاجتماعية والسياسية بالبلاد.

ومنذ 17 أكتوبر الماضي، تشهد العاصمة اللبنانية حراكا شعبيا احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية والفساد المالي والإداري، مع مطالب بإصلاحات سياسية جذرية. كما ازداد الغضب الشعبي على حزب الله خلال الفترة الماضية خصوصا مع تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد.

ولم تستجب الحكومة لهذه المطالب، رغم اعتذار المرشح المكلف محمد الصفدي، في نوفمبر 2019 عن عدم تشكيل الحكومة، وفشل المكلف سمير الخطيب واعتذاره، ثم تكليف رئيس الجمهورية ميشال عون، لحسان دياب في ديسمبر الماضي بتشكيل حكومة نالت ثقة البرلمان في 11 فبراير الماضي.

هدأت التظاهرات تدريجيا بعد تشكيل دياب لحكومته، ثم بدء انتشار فايروس كورونا المستجد، من دون أن تتوقف التحركات المطلبية الرمزية أمام مؤسسات الدولة ومصرف لبنان، آخرها محاولة متظاهرين قبل أيام اقتحام وزارة الطاقة احتجاجا على انقطاع الكهرباء لساعات طويلة.

ويقول كريم بيطار، أستاذ العلاقات الدولية في باريس وبيروت، إن “الفايروس وفّر فترة استراحة للسلطة”، لكن انفجار المرفأ قد “ينفخ الروح مجددا في الثورة”.

وقبل أن توجه إليها أي اتهام، بادرت إسرائيل بنفي أي علاقة لها بالانفجار الضخم الذي وقع في مرفأ بيروت الثلاثاء، وتضاربت الأنباء خلال الساعات الأولى حول طبيعته وأسبابه، قبل أن تلقي السلطات اللبنانية باللائمة على الإهمال وسوء تخزين نحو 2750 طنا من مادة “نترات الأمونيوم”.

وكانت هذه الكمية مخزنة في أحد عنابر المرفأ منذ نحو ست سنوات، وتحدثت وسائل إعلام محلية عن أن مسؤولي الجمارك أرسلوا خطابات رسمية إلى الجهات الحكومية المعنية للتخلص منها، وسط تحذيرات من أنها “مادة سريعة الاشتعال”.

وتستخدم “نترات الأمونيوم” لأغراض متعددة، زراعية غالبا، لكنها تستخدم أيضا في صناعة المتفجرات. ومرفأ بيروت من أكبر وأكثر الموانئ نشاطا في شرق البحر المتوسط، وهو أكبر نقطة شحن وتخليص بحرية في لبنان، وتمر من خلاله قرابة 70 في المئة من صادرات لبنان ووارداته، بحسب الموقع الإلكتروني لشركة مرفأ بيروت.

ويتألف المرفأ من 4 أحواض بعمق 24 مترا، إضافة إلى حوض خامس كان قيد الإنشاء، كما يضم 16 رصيفا ومستودعات وصوامع عديدة لتخزين القمح، حيث يستورد لبنان أكثر من 80 في المئة من حاجته من القمح.

وينفي مقربون من حزب الله أن يكون الحزب قام بتخزين أي أسلحة أو مواد قابلة للتفجير في المرفأ، مستندين على روايات لمسؤولين حكوميين أجمعوا على أن الانفجار نتج عن حريق بدأ في مخزن لمادة “نترات الأمونيوم” مخزنة منذ سنوات، وأن الأسلحة والصواريخ تصل إلى “حزب الله” عبر الأراضي السورية من مخازن ومصانع لتطويرها يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني، وتعرضت مئات المرات لضربات إسرائيلية.

ويرى مراقبون للشأن اللبناني أن هناك غيابا للدولة، وأن قرارها مرتهن لـ”حزب الله”، الذي يتحكم بمطار بيروت الدولي ويسيطر بشكل غير رسمي على جميع أنشطة المرفأ ومعظم المؤسسات المهمة، وعلى أغلب الإدارات التابعة للحكومة. ويعتقد هؤلاء أن الإجراءات الحكومية تغطي على حقيقة الأزمة في بيروت، حيث السيطرة الأمنية لحزب الله، الذي يتحمل لوحده مسؤولية ما يجري من تفجيرات سواء من خلال استهداف إسرائيلي أو من خلال حالة الإهمال، مشيرين إلى أنه لا قادة الجيش ولا القيادات الأمنية يقدرون على اختراق نفوذ الحزب، والبحث في ما يجري تحت سيطرته، ولا أحد منهم كان يقدر على اتخاذ القرار بالتخلص من هذه المتفجرات الخطيرة.

 وأسقط انفجار بيروت نحو 140 قتيلا وحوالي خمسة آلاف جريح، وهي حصيلة رسمية غير نهائية مرشحة للزيادة في ظل الإصابات الحرجة ووجود العشرات من المفقودين تحت الأنقاض.

ووفقا لمحافظ بيروت مروان عبود فإن الانفجار شرد ما لا يقل عن 300 ألف شخص من أصل نحو 750 ألفا، هم عدد سكان العاصمة.

وتواجه الحكومة اللبنانية تساؤلات مهمة من قطاعات واسعة من الشعب اللبناني عن الإهمال وتجاهل الاستجابة لطلبات إدارة الجمارك في المرفأ لنقل هذه المواد المتفجرة بعيدا عن العاصمة.

ونشرت مواقع إخبارية تصريحا لمدير مرفأ بيروت حسن قريطم، تحدث فيه عن علم المسؤولين بوجود مواد خطرة قبل الانفجار عبر خطابات رسمية موجهة من سلطة الجمارك والأمن العام لإزالة تلك المواد، لكن من دون أي استجابة طيلة ست سنوات. وتعهدت الحكومة اللبنانية بمحاسبة المسؤولين عن كارثة الثلاثاء.

تصميم على المحاسبة

انفجار بيروت أسقط نحو 140 قتيلا وحوالي خمسة آلاف جريح
انفجار بيروت أسقط نحو 140 قتيلا وحوالي خمسة آلاف جريح

يحمل اللبنانيون حكومتهم مسؤولية الانفجار، مع مطالبات بمحاسبة من تسببوا بشكل ما في هذه الكارثة، خاصة المسؤولين الذين شغلوا مناصب حكومية على صلة بشحنة “نترات الأمونيوم” منذ وجودها في المرفأ.

وبرزت دعوات إلى تحقيق دولي لتحديد المسؤولين عن الانفجار، في تطور يرى محللون أنه يعكس عدم الثقة في الحكومة وقدراتها أمام توقعات بأن تكون الموجة الثانية من الاحتجاجات الشعبية “أكثر قسوة من المرحلة الأولى، وستنزلق نحو العنف”.

كما أعلن النائب عن “اللقاء المشترك” مروان حماده اعتزامه الاستقالة من البرلمان، ودعا رئيس الجمهورية إلى الاستقالة. ودعا رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى تحقيق شفاف بمشاركة دولية، لتحديد أسباب الانفجار، حيث تحيط “شكوك بمكان الانفجار وتوقيته”.

ويبدو أن الحريري يشير بالتوقيت إلى موعد إصدار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حكمها في قضية اغتيال والده، رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري عبر تفجير ضخم استهدف موكبه في بيروت عام 2005.

وأعلنت المحكمة الأربعاء تأجيل النطق بالحكم من 7 إلى 18 أغسطس الجاري، احتراما لضحايا انفجار بيروت، ومراعاة لإعلان لبنان الحداد لمدة ثلاثة أيام. وأعلنت دول العالم تضامنها مع لبنان، واستعدادها لتقديم مساعدات، وصل بالفعل الكثير منها بعد ساعات من الانفجار، وبينها مستشفيات ميدانية وطواقم طبية وأدوية.

يشهد لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه المعاصر بسبب الفساد وفوائد ديون إعادة الإعمار بعد اتفاق الطائف، والعقوبات الأميركية على حزب الله وعدد من قياداته، وتداعياتها على القطاع المصرفي وأسعار صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن هجوما بقنبلة كان وراء الانفجار الكارثي في بيروت، وفق إفادات بلغته من عسكريين أميركيين كبار. وهو ما يناقض تماما رواية السلطات اللبنانية، التي لم تعلق على تصريح ترامب.

ومن المتوقع أن يتعرض القطاع الاقتصادي والحركة التجارية في لبنان إلى أزمات إضافية، بعد الانفجار الذي من المحتمل أن يخلق نقصا في السلع الأساسية بسبب تلف المواد المخزنة في المرفأ، وهو موقع التخزين الأكبر في لبنان للحبوب والمواد الغذائية والدواء وغيرها.

وتشير تقارير إلى أن المرفأ يضم صوامع تخزين لأكثر من 85 في المئة من القمح. ولدى لبنان، بعد الانفجار، احتياطيات من القمح تكفي لأقل من شهر واحد، وهو أقل من الحد الأدنى لضمان الأمن الغذائي الأساسي، وهو ثلاثة أشهر، حسب تصريح لوزير الاقتصاد والتجارة راؤول نعمة الأربعاء.

ومن المرجح أن ينعكس انفجار بيروت إيجابا على الأوضاع الاقتصادية القاتمة، بعد تعهدات صندوق النقد الدولي ودول عديدة، بينها الولايات المتحدة، بتقديم مساعدات امتنعت عن تقديمها سابقا بسبب العقوبات الأميركية.

وربما يقدم ترامب على تخفيف هذه العقوبات، ولو مؤقتا، حيث تقدر خسائر لبنان الأولية جراء الانفجار بـ15 مليار دولار، بحسب محافظ بيروت، ولا يزال يحتاج لبنان إلى أكثر من 90 مليار دولار لإعادة إعماره جراء الخراب الذي حل به بسبب الحرب الأهلية، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على نهايتها.

6