لبنان من إسقاط المبادرة الفرنسية إلى تطيير التدقيق الجنائي

محمد رعد صاحب الابتسامة الباردة يمكنه أن يقهقه لسقوط المبادرة الفرنسية ويمكن لسعد الحريري أن يضع تكليفه بتشكيل الحكومة في جيبه أشهرا فلا مبادرة فرنسية ولا حكومة مهمة بعد اليوم.
الخميس 2020/11/26
يحكمون دون حكومة

في ظل استمرار سيطرة نظام المناهبة الطائفي فإن الحديث عن تدقيق مالي جنائي في حسابات مؤسسات الدولة بما فيها المصرف المركزي، كما الرهان على القضاء أو أيّ من الأجهزة، وكما الرهان على انتخابات نيابية مبكرة، أو حتى في موعدها، يبقى حديثا عبثا ومضيعة للوقت.

الوقت الذي بات سلاحا ماضيا في يد قوى هذا النظام، يعمل على تمريره مماطلة وتسويفا، في محاولة لتطبيع المجتمع مع واقعه المتردي، فيصبح الانهيار في كافة الصعد أمرا معتادا وكأنه من طبيعة البلاد.

على مدى عقود، تمكنت قوى النظام المسيطرة على الدولة من وضع اليد على كافة أجهزة ومؤسسات الدولة، وخصوصا السلطة القضائية وأجهزة الأمن، وحين حاولت وضع اليد على “مقاومة حزب الله” وقعت في قبضته، بعد سلسلة من عمليات الشد والجذب، فبات هو المتحكم وهو الحامي وهو الذي يوظفها لمصلحة استراتيجياته المحلية والإقليمية، وفقا لتعليمات رعاته في طهران.

الضغوط من أجل هذا التدقيق لم تتوقف، بل كان ذلك شرطا لازما لتقديم المساعدات الدولية الموعودة لإنقاذ المالية العامة المنهوبة

أما المؤسسة العسكرية فقد تُرك لها هامش متواضع للتمايز، كي تتمكن من الحصول على المساعدات الأميركية، حيث أنه لا موازنات تسليحية للجيش! لكن اختراقات واسعة ووضع يد كاملا على جهازي المحكمة العسكرية ومخابرات الجيش بات أكيدا.

وهكذا يكتمل عقد المنظومة، ويصبح من العبث الحديث عن إمكانية تغيير هنا أو تدقيق هناك طالما مازالت ممسكة بناصية القرار، كما يصبح من غير الجائز الرهان على إمكانية إجراء أي تدقيق مالي سليم، سواء كان محاسبيا أو جنائيا، في مالية الدولة.

من ناحيتها، تنحني منظومة المناهبة أمام الأحداث الجسام امتصاصا للصدمة، لكنها لا تفلت زمام الأمور من يدها، فتنهض مجددا كاملة السيطرة على الوضع: فهي حكمت البلاد بحكومة ومن دون حكومة، وحكمتها برئيس ومن دون رئيس، كما حكمتها بانتخابات ودون انتخابات!

وهكذا رضيت بالتدقيق المالي الجنائي تماما كما وافقت على مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون. ولكن حزب الله كان ذكيا متفتحا، فأعلن رئيس كتلته النيابية محمد رعد بعد انتهاء لقاء زعماء القوى المسيطرة بالرئيس الفرنسي أن حزب الله يوافق على المبادرة الفرنسية بنسبة 90 في المئة! العشرة في المئة المتبقية هي سياسة ترك الباب مواربا إلى أن تهدأ عاصفة تفجير المرفأ، وهكذا أسقطت المبادرة الفرنسية بالضربة القاضية: إسقاط التدقيق المالي الجنائي.

أما بالنسبة إلى التدقيق المالي الجنائي فنلاحظ كيف أطلق وكيف تمت عرقلته كمقدمة للتخلي عنه ونسيانه. فبناء على طلب صندوق النقد الدولي، وتحت ضغط الدول المانحة قررت حكومة حسان دياب إجراء هذا التدقيق وكلفت بتاريخ 23 أفريل الماضي وزير ماليتها غازي وزني، الذي هو في نفس الوقت مستشار رئيس حركة أمل، ورئيس برلمان النظام نبيه بري، إجراء الاتصالات والتفاوض مع مؤسسة كرول المتخصصة في التدقيق المالي الجنائي، والاتفاق معها للبدء بهذا التدقيق في مصرف لبنان. وأعطي هذا الوزير مهلة شهر لإنجاز هذه المهمة.

اللافت أن الوزير وزني لم يتقدم بأي تقرير عن مهمته هذه لمجلس الوزراء على مدى ثلاثة أشهر، والأنكى من ذلك أن مجلس الوزراء لم يسأله عن هذه المهمة خلال تلك الأشهر الثلاثة، والتي بعد انقضائها جاء وزني ليقول في مجلس الوزراء إن مؤسسة كرول للتدقيق المالي الجزائي لها ارتباطات بحكومة الكيان الصهيوني وبالتالي لا مجال للتعاقد معها. أما الأبرز في كلام وزني فهو قوله “القوى السياسية التي أنتمي إليها ترفض التوقيع مع أي شركة تدقيق جنائي” (النهار، 30 /6 / 2020) بذريعة أنه “يفتح على تدخلات سياسية دولية بتوجيه اتهامات جنائية وتشويه حقائق”.

غير أن الضغوط من أجل هذا التدقيق لم تتوقف، بل كان ذلك شرطا لازما لتقديم المساعدات الدولية الموعودة لإنقاذ المالية العامة المنهوبة، فكلف غازي وزني من جديد للبحث عن شركة تدقيق أخرى تقوم بالمهمة. فكان العقد مع شركة ألفاريز أند مارسل، غير المتخصصة والتي تحوم حولها شبهات والتي لها علاقات أكيدة مع الكيان الصهيوني!

هذا التسلسل أكثر من منطقي: ضغوط على الحكومة، الحكومة تكلف نفس الوزير التابع لبري، شركة (غير متخصصة) تحوم حولها شبهات، عقد غير قابل للتنفيذ، فشل.. وهذا كان السياق المطلوب للمماطلة وإضاعة الوقت وتعويد الناس على ما هو قائم.

تمكنت قوى النظام المسيطرة على الدولة من وضع اليد على كافة أجهزة ومؤسسات الدولة، وخصوصا السلطة القضائية وأجهزة الأمن، وحين حاولت وضع اليد على "مقاومة حزب الله" وقعت في قبضته

فالعقد بين الحكومة اللبنانية وشركة التدقيق (غير المتخصصة) لا يمكن تنفيذه أصلا في ظل سيطرة هذه القوى، فكيف إذا كانت لديها ذريعة قانونية تتمثل بالمادة 151 من قانون النقد والتسليف التي تضمن السرية المصرفية؟ الشركة تعرف ذلك والبنك المركزي يعرف ذلك والحكومة ووزير المالية يعرفان ذلك.. ومع ذلك تم توقيع العقد في ظل رفض برلمان النظام أي تعديل للقانون.

الآن يمكن لمحمد رعد صاحب الابتسامة الباردة أن يقهقه لسقوط المبادرة الفرنسية، ويمكن لسعد الحريري أن يضع تكليفه تشكيل الحكومة الـ”عتيدة” في جيبه أشهرا، فلا مبادرة فرنسية ولا حكومة مهمة بعد اليوم.. فهم يحكمون دون حكومة على الطريقة نفسها التي تغنّى بها جبران باسيل حين كان وزيرا للخارجية وتباهى قائلا “ربما علينا أن نعلم لندن وواشنطن كيف تُدار بلاد دون ميزانية!”.

8