لبنان: من النقابي إلى السياسي

الثلاثاء 2014/05/13

لا زالت معركة سلسلة الرتب والرواتب التي تخوضها هيئة التنسيق النقابية في لبنان، ومن خلفها كافة الموظفين والأساتذة والمعلمين في القطاعين الرسمي والخاص، بين كر النزول إلى الشارع، والهجمات المضادة التي يشنها مندوبو قوى السلطة في البرلمان.

فبعد ثلاث سنوات شهدت تحركات واسعة من قبل الموظفين وبعد اعتراف المسؤولين بأحقية السلسلة، نجدهم يتراجعون عن هذا الاعتراف ليشنوا هجوما مضادا على المكتسبات التي سبق للموظفين أن انتزعوها.

وقد اعتمدت قوى السلطة مراوغة خبيثة وتقاسما للأدوار بين أطرافها، وتقاذفا لمشروع سلسلة الرتب والرواتب من مؤسسة إلى أخرى، ومن هيئة إلى لجنة، وكانت كل مرة تمارس تشويها وابتسارا فيها إلى درجة أفقدتها مضامينها التي خرج عشرات الآلاف لأجلها، وهي تصحيح حقيقي للأجور بعد ثمانية عشر عاما من التجميد في ظل تراجع مخيف في القدرة الشرائية، وانتزاع إصلاحات حقيقية تواجه الفساد والنهب واستغلال النفوذ في السطو على المال العام وفي زج التعاقد الوظيفي تبعا للمحسوبية والزبائنية بعد إغلاق باب التوظيف عبر المؤسسة الرسمية التي أوجدت من أجله، وهي مجلس الخدمة المدنية.

وقد جاء تقرير اللجنة البرلمانية التي تشكلت لدراسة السلسلة بأرقامها وبنودها ليمثل تراجعا خطيرا عن مجمل التعهدات والاتفاقات التي توصلت إليها هيئة التنسيق النقابية مع أطراف في السلطة، إضافة إلى تضمنه هجوما وقحا يطال أحقية المكتسبات التي انتزعها الأساتذة والموظفون بعد نضالات مريرة، وأقرت بقوانين، منذ سنين.

وبعد أن وضعت هذه اللجنة، أصحاب الحقوق وهيئة التنسيق النقابية أمام خيارين: إما القبول بسلسلة مشوهة جوفاء تلقي بمزيد من الأعباء على الموظف وعلى الوظيفة الرسمية كما على المعلم وعلى المدرسة والتعليم، وتتحاشى أوكار الفساد والنهب والتهرب الضريبي والمضاربات والاعتداء على الأملاك العامة؛ أو رفض هذا الالتفاف على المطالب، وبالتالي الدخول في مواجهة مفتوحة تعترضها استحقاقات قوى النظام من انتخابات رئاسية غير محسومة، وفراغ رئاسي مرجح، وانكفاء برلماني عن التشريع، يبدو أن هيئة التنسيق النقابية مصرة على الخيار الثاني باعتبار أن المطالب حقوق وألا مساومة على الحقوق. وقد بدأت بالفعل المرحلة الجديدة من التصعيد وصولا إلى مقاطعة امتحانات الشهادات الرسمية ومنع حصولها، في حال لم تلبَّ مطالبها.

كانت ذريعة السياسيين الدائمة، أن تمويل سلسلة الرتب والرواتب يحمل الخزينة أعباء لا قبل لها بها في ظل عجز مالية الدولة. وأن ذلك سوف يهدد الاقتصاد الوطني بأزمات لا يمكن تجاوزها. ولكن من أهم إنجازات الحركة المطلبية التي قادتها هيئة التنسيق النقابية كان الكشف عن أوكار النهب والفساد في مختلف المؤسسات. وهنا يمكن لأي متابع أن يلحظ أن ما تخسره خزينة الدولة من أموال نتيجة الفساد المستشري في المرفأ وفي المطار وعبر المنافذ الحدودية المختلفة، حيث التهرب من دفع الرسوم، وإنه في حال منعه سيكون قادرا، ليس على تمويل السلسلة المطلوبة فقط، بل على وضع الاقتصاد على سكة الانتعاش. فالأجور التي يتقاضاها الموظفون ستنفق في الداخل وستحرك عجلة الاقتصاد، في حين أن ما ينهب من أموال عامة يهرّب إلى الخارج أو يوظف في سندات بنكية أو في المضاربات العقارية. وبالتالي تحرم الدورة الاقتصادية منه.

لكن التجربة مع مافيات السلطة المرتهنة لتبعيات خارجية والتي لا تجد في مواجهتها القوة السياسية التي يمكن أن تهدد سيطرتها، من خلال تبني المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين وترجمتها إلى فعل سياسي، هذه التجربة أكدت أنه لا يمكن الوثوق بوعود السياسيين ولا يمكن بالتالي انتظار حلول ناجعة للمشاكل التي أوجدتها تلك القوى المسيطرة، إذ أن نظام سيطرتها في الأساس يقوم على النهب والفساد والتبعية، وهي لذلك تعمد إلى تبرير سلوكها الاجتماعي والاقتصادي من خلال تشجيعها على تفشي الفساد واختلاق كل ما من شأنه جعل أية عملية إصلاح حقيقية أمرا متعذرا.

من ناحية أخرى، فإن الطبقة المسيطرة شكلت حالة اجتماعية شبه منفصلة عن الحياة العامة في البلاد. فأبناؤها لا يدرسون في المدارس الرسمية ولا في الجامعة الوطنية، ولا علاقة لهم بمعاناة المواطنين ولا يستشعرونها. وحين تعمد الهيئات النقابية إلى الإضراب، خصوصا في المدارس، فإنها لا تكترث لذلك كون من يتأذى من التعطيل هم أبناء المعلمين والموظفين أنفسهم والفقراء. وهذه الطبقة لا تعتمد في اقتصادها على الزراعة أو الصناعة، وبالتالي فلا يطالها أي ضغط من إضرابات عمالية محتملة.

هذه النقطة تضع الطبقة الممسكة بزمام البلد بعيدة عن الضغوط التي يمكن ممارستها من خلال الوسائل النقابية العادية. وبالتالي لا يمكن أن تستدرج إلى تنازلات حقيقية من خلال الممارسة النقابية وحدها. من هنا تنشأ ضرورة التأسيس لنقيض سياسي حقيقي يعبر عن مصالح المواطنين المتضررين من سياسات هذه الطبقة.


كاتب سوري

9