لبنان: من يسائل ومن يحاسب

الأربعاء 2014/12/10

يحدد الدستور اللبناني دور مؤسسة مجلس النواب بأنها السلطة التشريعية التي تقر القوانين ومالية الدولة، وهي الجهة التي يجب استشارتها في تكليف رئيس الحكومة وفي تشكيلتها، وأنها الجهة التي تمنح الحكومة الثقة بناء على برنامجها، وأنها تسائل وزراءها وتحاسبهم وتراقب أعمال الحكومة وتناقشها في أدائها وفي ممارستها سلطتها الإجرائية، وبإمكانها حجب الثقة عن وزير أو أكثر، وكذلك عن الحكومة- مجتمعة- فتسقطها.

ومع علمنا أنه لم يسبق لمجلس النواب اللبناني أن أسقط أي حكومة بحجب الثقة عنها خاصة بعد اتفاق الطائف، إلا أن كل ما يتعلق بالمساءلة والمحاسبة اللتين أوكلهما الدستور إلى مجلس النواب أصبح، ومنذ زمن، خارج الخدمة!

فالمجلس النيابي والحكومة من طينة واحدة. وكلاهما يمثل قوى مافيوية تتحكم بالبلاد وتتقاسم الثروة والسلطة وتوزع ملفات الغنائم. وهذه الاستحالة تصبح أشد تأكيدا وتأكدا بعد أن مارست تلك القوى السطو على السلطة، بداية من خلال قانون انتخاب زوّر إرادة الناخبين بشهادة أطراف في السلطة، وتاليا، وتكرارا من خلال التمديد لمجلس نواب العطالة الذي يشغل الموقع لكي يعطله.

يضاف إلى ذلك الشغور في موقع رئاسة الجمهورية، فكيف يمكن لبرلمان أن يحجب، مثلا، الثقة عن الحكومة ويسقطها في غياب رئيس جمهورية، وأن يجري الاستشارات الملزمة وأن يكلف رئيسا جديدا للحكومة؟

ومعلوم أن سيطرة المافيات تكره المؤسسات، فتعمل على تعطيلها أو احتوائها أو فرض الشغور في مناصبها. وهذا ما حدث، ولا يزال، في لبنان منذ ما قبل 7 أيار 2008، ويستمر.

إن بيئة تغيب فيها المساءلة والمحاسبة وتضيع فيها المسؤوليات تشكل بيئة خصبة مشرّعة للفساد والنهب والتجاوزات والتعدّيات على مختلف الأصعدة. وتصبح المؤسسات القائمة رهنا لإرادة القوى الغاصبة، وفي أقل الاحتمالات، تتحاشى الصدام معها.

إن ما جرى بالأمس القريب في جرود عرسال من تصفية للمجند علي البزال الذي كان قد خطف مع مجموعة كبيرة من زملائه في آب الماضي، بعد المعركة التي شهدتها المنطقة بين مسلحي جبهة النصرة وداعش وبين الجيش اللبناني، وما جرى في جرود رأس بعلبك المجاورة من كمين أدى إلى مقتل ستة عناصر من أفراد دورية عسكرية تتألف من سبعة، وجرح السابع، دورية أرسلت إلى وكر الدبابير دون أي تغطية أو دعم، وفي آلية غير مصفّحة، ليواجه أفرادها الموت المجاني على يد الإرهابيين، لم يكن ليمر هكذا ويتجاهله الجميع، لو كان هناك مؤسسات تتابع وتسائل وتحاسب.

صحيح أن على العسكريين أن يفهموا أن مهامهم تفرض عليهم مواجهة المخاطر بما فيها القتل والموت، ولكن هذا لا ينفي أن هناك مسؤوليات يتحملها قادة أفراد أو مؤسسات، عسكرية أو سياسية، تعطي الأوامر وتحرك الجنود. وفي ظل أوضاع شديدة الخطورة، وشديدة التعقيد على المستوى السياسي، لا بد لتلك الأوامر أن تأخذ بعين الحذر والترقب مصير الجنود الذين يفترض فيهم مواجهة الإرهاب، وليس الوقوع في شراكه.

إن متابعتي لردود الأفعال بعد تلك الواقعة تشي بأن حاجة بعض أطراف السلطة تفرض تدفق المزيد من دماء العسكريين، من أبناء الفقراء، من أجل فرض ما يسمونه “التنسيق مع الجيش العربي السوري في محاربة الإرهاب”! فما إن انتشر الخبر، حتى تحركت الـ“أوركسترا” “الأسدية- الحزب إلهية” في سيمفونية صاخبة تردد هذا المطلب الذي يضع الجيش اللبناني كليّة تحت إمرة العصابة الأسدية وحزب الله.

لم تمض ساعات على مجزرة رأس بعلبك حتى تناساها الجميع. ضم الفقراء أجساد أبنائهم القتلى، وبصمت، ذرفوا دموعهم الحرّى، وانتهى كل شيء. وسائل الإعلام طوت الصفحة، ولكنها استمرت في التركيز الخبيث على الهوية الطائفية للشهيد علي البزال، الذي قتله مسلحو جبهة النصرة، وعلى الهوية الطائفية لزوجته، التي أبعدها عن بيتها هذا الحقن الطائفي البغيض ومآلاته.

لم تحقق المفاوضات شيئا لعلي البزال ولا لزملائه المخطوفين. ولم تفلح تحركات ذويهم الدائبة والحثيثة في تغيير الوضع. هناك جهات لا تريد لهؤلاء العسكريين ولذويهم أن يدركوا نهاية سعيدة. لأن لها مصلحة في تعميق الجرح وتجذير الشرخ واستتباع الجيش وتوظيف الدماء.

في المقابل، تمارس كل من جبهة النصرة وداعش دورا خبيثا في الوقت عينه. فترمي بموبقاتها على النازحين السوريين الذين يتعرض فقراؤهم، وهم الأكثرية الساحقة، لسيل من الممارسات العنصرية نتيجة ذلك دون أي ذنب، وتستخدم الخطاب المذهبي لترفع من منسوب التوتر المذهبي إلى أقصاه. وهي بذلك تقدم أفضل الخدمات للنظام الأسدي وحلفائه، عن قصد أو عن غباء، والنتيجة واحدة.

وفي الوقت الذي يتعرض فيه آلاف الفقراء السوريين اللاجئين إلى المخيمات في لبنان إلى كل هذه الممارسات، لا يحرك سفير النظام علي عبدالكريم علي ساكنا. وجل الممارسات العدوانية بحقهم تقع في مناطق سيطرة حلفائه. في نفس الوقت، تجد أثرياء النظام السوري يعيشون الرفاه والدلال في بيروت وفي سواها، ويمارسون فوقية قذرة على حلفائهم وعلى الآخرين.

وهذا يؤكد مدى العداء الذي يكنّه النظام الأسدي لشعبه، فتصبح سفارته في بيروت وكرا لأجهزته الاستخبارية التي تلاحق النازحين وتراقب سلوكهم وتحركاتهم، بحيث يتم إلقاء القبض على كثيرين منهم في حال عبورهم الحدود إلى سوريا بشكل نظامي.

كما يؤكد هذا الواقع حقيقة الصراع في سوريا، كما في لبنان، أنه صراع طبقي يمارس الوحشية ضد فقراء البلدين من عصابات مافيوية تمارس وحشيتها بحق النازحين الفقراء وتلقي بأبناء الفقراء اللبنانيين من جنود ورجال أمن إلى التهلكة دون أي وجل أو خوف من أي مساءلة.

في ظل هذا الواقع المأساوي المتجدد وفي ظل هذا الشغور وهذا التعطيل، وفي ظل ضياع المسؤولية، وفي ظل هذا الغياب المحيّر لقوى التغيير الحقيقية المعبرة عن أوجاع المتضررين الذين يشكلون الغالبية الساحقة من اللبنانيين، النقيض الفعلي لسيطرة المافيات، من يحاسب من؟ ومن يحاكم من؟


كاتب لبناني

8