لبنان والاستحقاقات الداهمة والمؤجلة

الجمعة 2015/03/27

فيما تدل الإحصاءات المتداولة في هذه المرحلة أن الواقع المعيشي والاقتصادي يمثل الشغل الشاغل والهم الداهم بالنسبة إلى غالبية ساحقة من اللبنانيين، غير أن استحقاقات عديدة، سياسية وأمنية يُراد لها مرة أن تكون داهمة، وأخرى أن تكون مؤجلة، وثالثة أن تكون بلا أجل. من يصنع للبنانيين استحقاقاتهم، ومن يحدد الأولويات ثم يبدّل آجال هذه الاستحقاقات أو يسقطها؟

في الوقت الذي احتل فيه لبنان المرتبة 102 من بين الدول الأكثر سعادة في العالم، أجرت شركة متخصصة في استطلاعات الرأي والدراسات التسويقية، استطلاعا في مختلف المناطق اللبنانية حول المواضيع التي تشغل بال اللبنانيين، جاءت أبرز نتائجه كالتالي:

ففي الإجابة عن سؤال حول أهمية بعض الأمور التي تواجههم، تبيّن أن الأوضاع الاقتصادية والحياتية حصلت على أعلى نسب من حيث الأهمية مثل: الوضع الاقتصادي (99 بالمئة)، البطالة (99 بالمئة)، الكهرباء (99 بالمئة)، المياه (99 بالمئة)، مصاريف الدراسة (98 بالمئة)، الوضع الأمني (98 بالمئة) والجنود المخطوفون (98 بالمئة)، يليها الانتخابات النيابية (96 بالمئة)، الانتخابات الرئاسية (94 بالمئة).

غير أن ائتلاف مافيات السلطة لا يرى كل هذا، ويستمر في الترويج لاستحقاقات بعيدة عن هموم الناس، ويعمل على وضعها في وجوههم وكأنها قضايا مصيرية حاسمة.

سلسلة الرتب والرواتب التي مضى أكثر من ثلاث سنوات على طرحها، والتي أقرتها حكومة نجيب ميقاتي قبل استقالتها، هي استحقاق معيشي يهم كل المواطنين، جرى الالتفاف عليها واستبعد إقرارها، بل إنها لن تقر أبدا بالصيغة المطلوبة.

قانون الانتخابات النيابية والذي مدد للمجلس النيابي في المرة الأولى بسببه، لم يُدرس، وقد مدّدَ مجلس النواب ذاته لنفسه مرة أخرى ولم يتم التطرق إليه بعد.

مر على لبنان أكثر من ثلاثمئة يوم في ظل شغور منصب رئاسة الجمهورية. لقد كان انتخاب الرئيس استحقاقا داهما قبل عام من الآن. جرى التسويف والمماطلة ليكون هذا الاستحقاق مؤجلا، ثم ثانويا، ثم اعتاد الجميع على شغور هذا المنصب. يبدو أن الفرقاء المسيطرين، المتقاسمين للسلطة والنفوذ، مرتاحون لهذا الشغور، فباتوا يعززون فكرة بلاد بلا رئيس، ومؤسسات تمدد لنفسها ومسؤولين ممدد لهم، ومراكز إدارية وأمنية يجتاحها الشغور.

في ظل هذا كله، تطلق الأبواق الاعلامية التابعة لحزب الله والأسد وإيران حملة إعلامية بصدد “معركة الربيع” أو معركة القلمون التي بشّر بها صاحب “الوعد الصادق” حسن نصرالله منذ أسابيع. فهذا يحدد موعد بدء القتال، وذاك يرسم السيناريوهات، وثالث ورابع يتوقع النتائج الحاسمة لهذه الحرب الداهمة للقضاء على “التكفيريين” المتمترسين في القلمون والذين لولا تدخل حزب الله في سوريا لكانوا يحكمون اليوم جونية ويرفعون راياتهم السوداء فوق حريصا. حملة إعلامية تهيّئ اللبنانيين، تصنع لهم استحقاقا مصيريا، وتضرب لهم موعدا حاسما مع الربيع.

هذا الصراخ يأتي في ظل تراجع حاد لهيمنة الفكر الظلامي في لبنان وحتى في سوريا نفسها، وفي ظل تقهقر ما يسمّى بالدولة الإسلامية وانكفاء أيديولوجيتها بشكل متسارع. فقد افتضح أمر تلك القوى وظهر عداؤها للثورة السورية وللجيش الحر، وتراجع بشكل واسع، ما كان يعتبر تأييدا لها في مناطق معيّنة من لبنان، إلى درجة بات السلفيون أنفسهم يجهدون الأنفس في التبرؤ منها ومن مشروعها. غير أن حزب الله، ومَن وراءَه، لا يبرر لهم وجود ولا لأيديولوجيتهم تسويغ إلا أمثال داعش والنصرة، والنصرة التي تحاول التنصّل من القاعدة لا تناسبهم.

المواطنون يلهثون خلف لقمة العيش، يعانون تواطؤ قوى السلطة على معاشهم، ويتوسلون السيئ والأسوأ من أجل الاستمرار، أو يتسابقون إلى أبواب السفارات توسلا لتأشيرة هجرة، وقوى السلطة وفي مقدمها حزب الله وحلفاؤه يصنعون لهم استحقاقات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. كل هذا من أجل الزج بالشباب اللبناني كوقود في أتون الصراع من أجل مشروع الهيمنة الإيراني. وكما يتوسل حلفاء طهران فراغا في السلطة اليمنية إلى درجة قصف قصر المعاشيق بهدف التخلص من الرئيس اليمني، كذلك حزب الله يضع هذه العراقيل أمام انتخاب رئيس للبنان.

كاتب لبناني

8