لبنان والانتخابات الرئاسية: بوتفليقة أم الفراغ

الخميس 2014/04/24

من يتابع تحضيرات انتخابات الرئاسة اللبنانية عن بعد، ويرى هذا الكم وهذا التنوع في الترشيحات والمرشحين بمختلف انتماءاتهم وولاءاتهم السياسية، ينظر بإعجاب إلى هذه الـ”ديمقراطية الفريدة” في الشرق وسط ما نعايشه من انتخابات رئاسية معلبة في جمهوريات الوطن العربي.

وما يعزز هذه الرؤية ما شهدناه بالأمس من وقوف العسكر في الجزائر وراء إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة رغم وضوح عدم قدرته على ممارسة مهام الرئاسة، ما يفضح الديكتاتورية العسكرية التي تتخفى وراءه لتواصل ممارسة سيطرتها في حكم الجزائر.

وهذا ما تؤكده أيضا إعادة ترشيح بشار الأسد لرئاسة سوريا، رغم ما ارتكبه نظامه من جرائم بحق سوريا وبحق الإنسانية على مدى السنوات الثلاث المنصرمة.

وحين نرى أن عددا من شخصيات «المجتمع المدني» الذين يتغنون بالديمقراطية والمواطنة المتساوية والعلمانية وسواها من الشعارات الديمقراطية، ومنهم أسماء لمعت في السنوات الأخيرة وبينها عناصر نسائية، فإننا سنجد، على مستوى الوطن العربي على الأقل، من يغبط اللبنانيين على هذه الديمقراطية العريقة.

صحيح أنه يمكن للكثيرين الترشح لانتخابات الرئاسة في لبنان، ورغم إلزامية الانتماء للطائفة المارونية، فإن تعدد المرشحين عموما يعطي انطباعا مضللا أنّ ديمقراطية واسعة تتحلى بها هذه الانتخابات. لكن من يعرف طبيعة النظام السياسي في هذا البلد، وخصوصا من يدرك من هي القوى الفاعلة فعلا في تنصيب رئيس للبنان، يعرف أن تعدد الترشيحات، أو إتاحتها أمام الكثيرين، ليس سوى ذر للرماد في عيون البسطاء.

فغالبية السياسيين والإعلاميين المخضرمين يعترفون أن جميع رؤساء الجمهورية اللبنانية، باستثناء واحد هو سليمان فرنجية الذي فاز بفارق صوت واحد، فرضتهم التوازنات الإقليمية والدولية.

واليوم، إلى جانب ترشيح سمير جعجع والعماد ميشال عون نفسيهما كمرشحين عن اصطفافي 14 و8 آذار، هناك مرشحون عديدون منهم من له تاريخ في الترشح لانتخابات الرئاسة (جان عبيد) ومنهم من سبق أن تولى الرئاسة (أمين جميل)، ومنهم من يرغب في وضع اسمه على لائحة المرشحين لمجرد التعبير عن الذات، ومنهم من يعتبر أن ترشحه يخدم عملية التغيير، ولكنهم جميعا حين يترشحون في ظل هكذا نظام مافيوي تبعي تحكمه مصالح أطرافه وتوازناتها وتوافقاتها واعتباراتها الدولية والإقليمية، فإنهم جميعا يسهمون، عن قصد أو عن جهل، في التورية على دكتاتورية تنبذ كل احتمالات التغيير حتى لو جاء على مستوى شديد السطحية وقليل التأثير.

فمن ينتخب الرئيس في لبنان ليس المواطنون. ولكن مجلس نواب (إضافة إلى أنه مدد لنفسه دون الرجوع إلى الهيئة الناخبة) لا يمثل سوى مصالح مافيات السلطة ومصالح من وراءها من مراكز التبعية والهيمنة الإقليمية والدولية وفقا توازنات دقيقة لا علاقة له لا بمصالح المواطنين ولا بقضاياهم. وبالتالي، فإن من سوف ينتخبه هؤلاء النواب، إذا ما تم الانتخاب فعلا، لن يكون أكثر من واجهة لحكم مافيات السلطة، ولن يختلف في شيء في ممارسته لـ«السلطة» عن زميله الجزائري بوتفليقة.

ومن يعوّل على أية بارقة تغيير إيجابية على مستوى النظام من خلال الانتخابات الرئاسية فهو واهم، لأن التغيير لا يأتي من موقع الرئاسة. أساسا، ما من صلاحيات كافية لرئيس الجمهورية. وليست هناك إمكانية لوصول رئيس «قوي» يمكن انتخابه في ظل الظروف الحالية إلا إذا كان جزءا من مافيات السلطة، وهذا لن يكون، لأن ذلك مرتهن لتوفر شرط الهيمنة لواحدة من قوى التبعية وهذا ما لم يحصل بعد. ولطالما كانت الانتخابات الرئاسية في لبنان فرصة لقوى التبعية المتحاصصة لإعادة تشكيل سلطتها بما يتوافق مع الظرف الإقليمي والدولي.

فهل من «بوتفليقة» لبناني تتيح له التوازنات الإقليمية والتوافقات المحلية تبوُّء منصب رئيس الجمهورية اللبنانية لمرحلة قادمة ريثما تتبلور معالم المرحلة الصاعدة على مستوى الإقليم، أم سيكون الفراغ؟


كاتب سوري

9